"صفحة رقم 348"
الذال مبنيًا للفاعل أي: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما قالوا عن الله من العذاب والظن على بابه . وجواب إذ جاءهم نصرنا ، والظاهر أن الضمير في جاءهم عائد على الرسل . وقيل: عائد عليهم وعلى من آمن بهم . وقرأ عاصم ، وابن عامر: فنجى بنون واحدة وشدّ الجيم وفتح الياء مبنيًا للمفعول . وقرأ مجاهد ، والحسن ، والجحدري ، وطلحة بن هرمز كذلك ، إلا أنهم سكنوا الياء ، وخرج على أنه مضارع أدغمت فيه النون في الجيم ، وهذا ليس بشيء ، لأنه لا تدغم النون في الجيم . وتخريجه على أنه ماض كالقراءة التي قبلها سكنت الياء فيه لغة من يستثقل الحركة صلة على الياء ، كقراءة من قرأ ) مَا تُطْعِمُونَ ( بسكون الياء . ورويت هذه القراءة عن الكسائي ونافع ، وقرأهما في المشهور ، وباقي السبعة فننجي بنونين مضارع أنجي . وقرأت فرقة: كذلك إلا أنهم فتحوا الياء . قال ابن عطية: رواها هبيرة عن حفص عن عاصم ، وهي غلط من هبيرة انتهى . وليست غلطًا ، ولها وجه في العربية وهو أنّ الشرط والجزاء يجوز أن يأتي بعدهما المضارع منصوبًا بإضمار أن بعد الفاء ، كقراءة من قرأ: ) الاْرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ ( بنصب يغفر بإضمار أنْ بعد الفاء . ولا فرق في ذلك بين أن تكون أداة الشرط جازمة ، أو غير جازمة . وقرأ نصر بن عاصم ، والحسن ، وأبو حيوة ، وابن السميقع ، ومجاهد ، وعيسى ، وابن محيصن: فنجى ، جعلوه فعلًا ماضيًا مخفف الجيم . وقال أبو عمرو الداني: وقرأت لابن محيصن فنجى بشد الجيم فعلًا ماضيًا على معنى فنجى النصر . وذكر الداني أنّ المصاحف متفقة على كتبها بنون واحدة . وفي التحبير أنّ الحسن قرأ فنجى بنونين ، الثانية مفتوحة ، والجيم مشددة ، والياء ساكنة . وقرأ أبو حيوة: من يشاء بالياء أي: فنجى من يشاء الله نجاته . ومن يشا هم المؤمنون لقوله: ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ، والبأس هنا الهلاك . وقرأ الحسن: بأسه بضمير الغائب أي: بأس الله . وهذه الجملة فيها وعيد وتهديد لمعاصري الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) .
( لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى الالْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يَفْتَرِى وَلَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لْقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (: الضمير في قصصهم عائد على الرسل ، أو على يوسف وأبويه وأخوته ، أو عليهم وعلى الرسل ثلاثة أقوال .
الأول: اختاره الزمخشري قال: وينصره قراءة من قرأ قصصهم بكسر القاف انتهى . ولا ينصره إذ قصص يوسف وأبيه وأخوته مشتمل على قصص كثيرة وأنباء مختلفة . والذي قرأ بكسر القاف هو أحمد بن جبير الانطاكي عن الكسائي ، والقصبي عن عبد الوارث عن أبي عمر وجمع قصة . واختار ابن عطية الثالث ، بل لم يذكره غيره . والعبرة الدلالة التي يعبر بها عن العلم . وإذا عاد الضمير على يوسف عليه السلام وأبويه وأخوته ، فالاعتبار بقصصهم من وجوه إعزاز يوسف عليه السلام بعد إلقائه في الجب ، وإعلاؤه بعد حبسه في السجن ، وتملكه مصر بعد استعباده ، واجتماعه مع والديه وأخوته على ما أحب بعد الفرقة الطويلة . والإخبار بهذا القصص إخبارًا عن الغيب ، والإعلام بالله تعالى من العلم والقدرة والتصرف في الأشياء على ما لا يخطر على بال ولا يجول في فكر . وإنما خص أولو الألباب لأنهم هم الذين ينتفعون بالعبر ، ومن له لب وأجاد النظر ، ورأى ما فيها من امتحان ولطف وإحسان ، علم أنه أمر من الله تعالى ، ومن عنده تعالى . والظاهر أنّ اسم كان مضمر يعود على القصص أي: ما كان القصص حديثًا مختلفًا ، بل هو حديث صدق ناطق بالحق جاء به من لم يقرأ الكتب ، ولا تتلمذ لأحد ، ولا خالط العلماء ، فمحال أن يفتري هذه القصة بحيث تطابق ما ورد في التوراة من غير تفاوت . وقيل: يعود على القرآن أي: ما كان القرآن الذي تضمن قصص يوسف عليه السلام وغيره حديثًا يختلق ، ولكن كان تصديق الكتب المتقدمة الإلهية ، وتفصيل كل شيء واقع ليوسف مع أبويه وأخوته إن