فهرس الكتاب

الصفحة 2539 من 4224

"صفحة رقم 355"

كذا وكذا . قال ابن عطية: وقوله مد الأرض ، يقتضي أنها بسيطة لا كرة ، وهذا هو ظاهر الشريعة . قال أبو عبد الله الداراني: ثبت بالدليل أنّ الأرض كرة ، ولا ينافي ذلك قوله: مد الأرض ، وذلك أنّ الأرض جسم عظيم . والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان قطعة منها تشاهد كالسطح ، والتفاوت بينه وبين السطح لا يحصل إلا في علم الله تعالى . ألا ترى أنه قال: ) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا( مع أن العالم والناس يسيرون عليها فكذلك هنا . وأيضًا إنما ذكر مد الأرض ليستدل به على وجود الصانع ، وكونها مجتمعة تحت البيت أمر غير مشاهد ولا محسوس ، فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصانع . فتأويل مد الأرض أنه جعلها بمقدار معين ، وكونها تقبل الزيادة والنقص أمر جائز ممكن في نفسه ، فالاختصاص بذلك المقدار المعين لا بد أن يكون بتخصيص مخصص ، وتقدير مقدر ، وبهذا يحصل الاستدلال على وجود الصانع انتهى . ملخصًا . وقال أبو بكر الأصم: المد البسط إلى ما لا يرى منتهاه ، فالمعنى: جعل الأرض حجمًا يسيرًا لا يقع البصر على منتهاه ، فإن الأرض لو كانت أصغر حجمًا مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به انتهى . وهذا الذي ذكره من أنها لو كانت أصغر إلى آخره غير مسلم ، لأن المنتفع به من الأرض المعمور ، والمعمور أقل من غير المعمور بكثير . فلو أراد تعالى أن يجعلها مقدار المعمور المنتفع به لم يكن ذلك ممتنعًا ، فتحصل في قوله: مد الأرض ثلاث تأويلات بسطها بعد أن كانت مجتمعة ، واختصاصها بمقدار معين وجعل حجمها كبيرًا لا يرى منتهاه . والرواسي الثوابت ، ومنه قول الشاعر: به خالدات ما يرمن وهامد

وأشعت أرسته الوليدة بالقهر

والمعنى: جبالًا رواسي ، وفواعل الوصف لا يطرد إلا في الإناث ، إلا أنّ جمع التكسير من المذكر الذي لا يعقل يجري مجرى جمع الإناث . وأيضًا فقد غلب على الجبال وصفها بالرواسي ، وصارت الصفة تعني عن الموصوف ، فجمع جمع الإسم كحائط وحوائط وكاهل وكواهل . وقيل: رواسي جمع راسية ، والهاء للمبالغة ، وهو وصف الجبل . كانت الأرض مضطربة فثقلها الله بالجبال في أحيازها فزال اضطرابها ، والاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم . قيل: من جهة أنّ طبيعة الأرض واحدة ، فحصول الجبل في بعض جوانبها دون بعض لا بد أن يكون بتخليق قادر حكيم ، ومن جهة ما يحصل منها من المعادن الجوهرية والرخامية وغيرها كالنفط والكبريت يكون الجبل واحدًا في الطبع ، وتأثير الشمس واحد دليل على أنّ ذلك بتقدير قاد قاهر متعالى عن مشابهة الممكنات ، ومن جهة تولد الأنهار منها . وقيل: وذلك لأنّ الجبل جسم صلب ، ويتصاعد بخاره من قعر الأرض إليه ويحتب هناك ، فلا يزال يتكامل فيه فيحصل بسببه مياه كثيرة ، فلقوتها تشق وتخرج وتسيل على وجه الأرض ، ولهذا في أكثر الأمر إذا ذكر الله تعالى الجبال ذكر الأنهار كهذه الآية . وكقوله: )وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا ( ) وَأَلْقَى فِى الاْرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا ( فقال المفسرون: الأنهار المياه الجارية في الأرض . وقال الكرماني: مسيل الماء ، وتقدم الكلام في الأنهار في أوائل سورة البقرة . والظاهر أنّ قوله: من كل الثمرات متعلق بجعل . ولما ذكر الأنهار ذكر ما ينشأ عنها وهو الثمرات ، والزوج هنا الصنف الواحد الذي هو نقيض الاثنين ، يعني أنه حين مد الأرض جعل ذلك ، ثم تكثرت وتنوعت . وقيل: أراد بالزوجين الأسود والأبيض ، والحلو والحامض ، والصغير والكبير ، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة . وقال ابن عطية: وهذه الآية تقتضي أن كل ثمرة موجود فيها نوعان ، فإن اتفق أن يوجد من ثمرة أكثر من نوعين فغير ضار في معنى الآية . وقال الكرماني: الزوج واحد ، والزوج اثنان ، ولهذا قيد ليعلم أنّ المراد بالزوج هنا الفرد لا التثنية ، فيكون أربعًا . وخص اثنين بالذكر ، وإن كان من أجناس الثمار ما يزيد على ذلك لأنه الأقل ، إذ لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت