فهرس الكتاب
"صفحة رقم 356"
نوع تنقص أصنافه عن اثنين انتهى . ويقال: إن في كل ثمرة ذكر وأنثى ، وأشار إلى ذلك الفراء . وقال أبو عبد الله الرازي: لما خلق الله تعالى العالم وخلق فيه الأشجار ، خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط . فلو قال: خلق زوجين ، لم يعلم أنّ المراد النوع أو الشخص ، فلما قال: اثنين علمنا أنه أول ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا أزيد . فالشجر والزرع كبني آدم ، حصل منهم كثرة ، وابتداؤهم من زوجين اثنين بالشخص وهما آدم وحواء . والاستدلال بخلق الثمرات على ما ذكر تعالى من جهة ربو الجنة في الأرض ، وشق أعلاها وأسفلها ، فمن الشق الأعلى الشجرة الصاعدة ، ومن الأسفل العروق الغائصة ، وطبيعة تلك الجنة واحدة ، وتأثيرات الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد . ثم يخرج من الأعلى على ما يذهب صعدًا في الهواء ، ومن الأسفل ما يغوص في الثرى ، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان ، فعلمنا أن ذلك بتقدير قادر حكيم . ثم تلك الشجرة يكون بعضها خشبًا ، وبعضها لوزًا ، وبعضها ثمرًا ، ثم تلك الثمرة يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع وذلك بتقدير القادر الحكيم انتهى . وفيه تلخيص . وقيل: تم الكلام عند قوله: ومن كل الثمرات ، فيكون معطوفًا على ما قبله من عطف المفردات ، ويتعلق بقوله: وجعل فيها رواسي . فالمعنى: أنه جعل في الأرض من كل ذكر وأنثى اثنين ، وقيل: الزوجان الشمس والقمر ، وقيل: الليل والنهار ، يغشى الليل النهار تقدم تفسير هذه الجملة وقراآتها في الأعراف . وخص المتفكرين لأنّ ما احتوت عليه هذه الآيات من الصنيع العجيب لا يدرك إلا بالتفكر .
( وَفِى الاْرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقَى بِمَاء واحِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ (: قطع جمع قطعة وهي الجزء . ومتجاورات متلاصقة متداينة ، قريب بعضها من بعض . قال ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو العالية ، والضحاك: أرض طيبة وأرض سبخة ، نبتت هذه ، وهذه إلى جنبها لا تنبت . وقال ابن قتيبة وقتادة: يعني القرى المتجاورة . وقيل: متجاورة في المكان ، مختلفة في الصفة ، صلبة إلى رخوة . وسحرًا إلى مرد أو مخصبة إلى مجدبة ، وصالحة للزرع لا للشجر ، وعكسها مع انتظام جميعها في الأرضية . وقيل: في الكلام حذف معطوف أي: وغير متجاورات . والمتجاورات المدن وما كان عامرًا ، وغير المتجاورات الصحاري وما كان غير عامر . قال ابن عطية: والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور إنما هو من تربة واحدة ، ونوع واحد . وموضع العبرة في هذا أبين ، لأنها مع اتفاقها في الترب والماء تفضل القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض ، كما قال النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) حين سئل عن هذه الآية فقال: ( الدقل ، والقارس ، والحلو ، والحامض ) وقال ابن عطية: وقيد منها في هذه المثال ما جاور وقرب بعضه من بعض ، لأن اختلاف ذلك في الأكل أغرب . وفي بعض المصاحف: قطعًا متجاورات بالنصب على جعل . وقرأ الجمهور: وجنات بالرفع ، وقرأ الحسن: بالنصب ، بإضمار فعل . وقيل: عطفًا على رواسي . وقال الزمخشري: بالعطف على زوجين اثنين ، أو بالجر على كل الثمرات انتهى . والأولى إضمار فعل لبعد ما بين المتعاطفين في هذه التخاريج ، والفصل بينهما بجمل كثيرة . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص: وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان بالرفع في الجميع على مراعاة قطع . وقال ابن عطية: عطفًا على أعناب ، وليست عبارة محررة أيضًا ، لأن فيها ما ليس بعطف وهو قوله: صنوان . وقرأ باقي السباعة: بخفض الأربعة على مراعاة من أعناب قال: وجعل الجنة من الأعناب من رفع الزرع ، والجنة حقيقة إنما هي الأرض التي فيها الأعناب ، وفي ذلك تجوز ومنه قول الشاعر: كأن عيني في غربي مقبلة
من النواضح تسقي جنة سحقا