فهرس الكتاب
"صفحة رقم 360"
العبد لو علم قدر عفو الله لما أمسك عن ذنب ، ولو علم قدر عقوبته لقمع نفسه في عبادة الله عز وجل ) .
( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ ايَةٌ مّن رَّبّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ (: عن ابن عباس: لما نزلت وضع رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) يده على صدره فقال: ( أنا منذر ) وأومأ بيده إلى منكب عليّ وقال: ( أنت الهادي يا عليّ ، بك يهتدى من بعدي ) ، وقال القشيري: نزلت في النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) وعليّ بن أبي طالب ، والذين كفروا مشركو العرب ، أو من أنكر نبوته من مشركيهم والكفار ، ولم يعتدوا بالآيات الخارقة المنزلة كانشقاق القمر ، وانقياد الشجر ، وانقلاب العصا سيفًا ، ونبع الماء من بين الأصابع ، وأمثال هذه . فاقترحوا عنادًا آيات كالمذكورة في سبحان ، وفي الفرقان كالتفجير للينبوع ، والرقي في السماء ، والملك ، والكنز ، فقال تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ): إنما أنت منذر تخوفهم من سوء العاقبة ، وناصح كغيرك من الرسل ، ليس لك الإتيان بما اقترحوا . إذ قد أتى بآيات عدد الحصا ، والآيات كلها متماثلة في صحة الدعوى ، لا تفاوت فيها . فالاقتراح إنما هو عناد ، ولم يجر الله العادة بإظهار الآيات المقترحة إلا للآية التي حتم بعذابها واستئصالها .
وهاد: يحتمل أن يكون قد عطف على منذر ، وفصل بينهما بقوله لكل قوم ، وبه قال: عكرمة ، وأبو الضحى . فإن أخذت: ولكل قوم هاد ، على العموم فمعناه: وداع إلى الهدى ، كما قال: ) بعثت إلى الأسود والأحمر ( فإن أخذت هاد على حقيقته فلكل قوم مخصوص أي: ولكل قوم قائلين هاد . وقيل: ولكل أمة سلفت هاد أي: نبي يدعوهم ، والقصد: فليس أمرك ببدع ولا منكر ، وبه قال: مجاهد ، وابن زيد ، والزجاج قال: نبي يدعوهم بما يعطي من الآيات ، لا بما يتحكمون فيه من الاقتراحات . وتبعهم الزمخشري . فقال: هاد من الأنبياء يهديهم إلى الدين ، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية ، وبآية خص بها ، ولم يجعل الأشياء شرعًا واحدًا في آيات مخصوصة . وقالت فرقة: الهادي في هذه الآية هو الله تعالى ، روي أن ذلك عن ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وهاد: على هذا مخترع للإرشاد . قال ابن عطية: وألفاظ تتعلق بهذا المعنى ، وتعرف أن الله تعالى هو الهادي من غير هذا الموضع . وقال الزمخشري: في هذا القول وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: أنهم يجحدون كون ما أنزل عليك آيات ويعاندون ، فلا يهمنك ذلك ، إنما أنت منذر ، فما عليك إلا أن تنذر ، لا أنْ تثبت الإيمان بالإلجاء ، والذي يثبته بالإلجاء هو الله تعالى انتهى . ودلّ كلامه على الاعتزال . وقال في معنى القول الذي تبع فيه مجاهد ، وابن زيد ما نصه: ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه وتقديره الأشياء على قضايا حكمته ، أن أعطاء كل منذر آيات أمر مدبر بالعلم النافذ ، مقدر بالحكمة الربانية . ولو علم في إجابتهم إلى مقترحهم خيرًا أو مصلحة لأجابهم إليه . وقال الزمخشري أيضًا في معنى أن الهادي هو الله تعالى أي: بالإلجاء على زعمه ما نصه: وأما هذا الوجه الثاني فقد دل به على أنّ من هذه القدرة قدرته وهذا علمه ، هو القادر وحده على هدايتهم العالم بأي طريق يهديهم ، ولا سبيل إلى ذلك لغيره انتهى . وقالت فرقة: الهادي علي بن أبي طالب ، وإن صح ما روي عن ابن عباس مما ذكرناه في صدر هذه الآية ، فإنما جعل الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) علي بن أبي طالب مثالًا من علماء الأمّة وهداتها إلى الدين ، فكأنه قال: أنت يا علي هذا وصفك ، ليدخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وسائر علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ثم كذلك علماء كل عصر ، فيكون المعنى على هذا: إنما أنت يا محمد منذر ، ولكل قوم في القديم والحديث دعاة هداة إلى الخير . وقال أبو العالية: الهادي العل . وقال علي بن عيسى: ولكل قوم سبقهم إلى الهدى إلى نبي أولئك القوم . وقيل: هود قائد إلى الخير أو إلى الشر قال تعالى في الخير: ) وَهُدُواْ إِلَى الطَّيّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُواْ إِلَى صِراطِ الْحَمِيدِ ( وقال في الشر: ) فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِراطِ الْجَحِيمِ ( قاله أبو صالح . ووقف ابن كثير على هاد وواق حيث واقعا ، وعلى وال هنا وباق في النخل بإثبات الياء ، وباقي السبعة بحذفها . وفي الإقناع لأبي جعفر بن الباذش عن ابن مجاهد: الوقف على ميع الباب لابن كثير بالياء ، وهذا لا يعرفه المكيون . وفيه عن أبي يعقوب الأزرق عن ورش أنه خيره في الوقف في جميع الباب ، بين أن يقف بالياء ، وبين أن يقف بحذفها . والباب هو كل منقوص منون غير منصرف .