فهرس الكتاب

الصفحة 2549 من 4224

"صفحة رقم 365"

حافظات له . والثالثة: كونها من أمر الله ، وإن جعلنا من بين يديه ومن خلفه يتعلق بقوله: يحفظونه ، فيكون إذ ذاك معقبات وصفت بصفتين: إحداهما: يحفظونه من بين يديه ومن خلفه . والثانية: قوله: من أمر الله أي: كائنة من أمر الله . غاية ما في ذلك أنه بدىء بالوصف بالجملة قبل الوصف بالجار والمجرور ، وذلك شائع فصيح ، وكان الوصف بالجملة الدالة على الديمومة ، في الحفظ آكد ، فلذلك قدم الوصف بها . وذكر أبو عبد الله الرازي في الملائكة الموكلين علينا ، وفي الكتبة منهم أقوالًا عن المنجمين وأصحاب الطلمسات ، وناس سماهم حكماء الإسلام يوقف على ذلك من تفسيره . ولما ذكر تعالى إحاطة علمه بخفايا الأشياء وجلاياها ، وأن الملائكة تعقب على المكلفين لضبط ما يصدر منهم ، وإن كان الصادر منهم خيرًا وشرًا ، ذكر تعالى أن ما خولهم فيه من النعم وأسبغ عليهم من الإحسان لا يزيله عنهم إلى الانتقام منهم إلا بكفر تلك النعم ، وإهمال أمره بالطاعة ، واستبدالها بالمعصية . فكان في ذكر ذلك تنبيه على لزوم الطاعة ، وتحذير لو بال المعصية . والظاهر أنْ لا يقع تغير النعم بقوم حتى يقع تغيير منهم بالمعاصي . قال ابن عطية: وهذا الموضع مؤول ، لأنه صح الخبر بما قدرت الشريعة من أخذ العامة بذنوب الخاصة وبالعكس ، ومنه قوله تعالى: ) وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ( الآية . وسؤالهم للرسول( صلى الله عليه وسلم ) ): أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: ( نعم إذا كثر الخبث في أشياء كثيرة ) فمعنى الآية: حتى يقع تغيير إما منهم ، وإما من الناظر لهم ، أو ممن هو منهم تسبب ، كما غير الله تعالى المنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم ، إلى غير هذا في أمثله الشريعة . فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب ، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير . وثم أيضًا مصائب يزيد الله بها أجر المصاب ، فتلك ليست تغييرًا انتهى . وفي الحديث: ( إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب ) وقيل: هذا يرجع إلى قوله: ) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ( فبين تعالى أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر والمعاصي ، إلا إن علم الله تعالى أنّ فيهم ، أو في عقبهم من يؤمن ، فإنه تعالى لا ينزل بهم عذاب الاستئصال . وما موصولة صلتها بقوم ، وكذا ما بأنفسهم . وفي ما إبهام لا يتغير المراد منها: إلا بسياق الكلام ، واعتقاد محذوف يتبين به المعنى ، والتقدير: لا يغير ما بقوم من نعمة وخير إلى ضد ذلك حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعته إلى توالي معصيته . والسوء يجمع على كل ما يسوء من مرض وخير وعذاب ، وغير ذلك من البلاء . ولما كان سياق الكلام في الانتقام من العصاة اقتصر على قوله: سوء ، وإلا فالسوء والخير إذا أراد الله تعالى شيئًا منها فلا مرد له ، فذكر السواء مبالغة في التخويف . وقال السدي: من وال من ملجأ . وقال الزمخشري: ممن يلي أمرهم ، ويدفع عنهم . وقيل: من ناصر يمنع من عذابه .

( هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىء السَّحَابَ الثّقَالَ وَيُسَبّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلْائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِى اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ(: لما خوف تعالى العباد بقوله: ) وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ( أتبعه بما يشتمل على أمور دالة على قدرة الله تعالى ، وحكمته تشبه النعم من وجه ، والنقم من وجه . وتقدم الكلام في البرق والرعد والصواعق والسحاب في البقرة . قال ابن عباس والحسن: خوفًا من الصواعق ، وطمعًا في الغيث . وقال قتادة: خوفًا للمسافرين من أذى المطر ، وطمعًا للمقيم في نفعه . وقريب منه ما ذكره الزجاج وهو: خوفًا للبلد الذي يخاف ضرر المطر له ، وطمعًا لمن يرجو الانتفاع به ، وذكر الماوردي: خوفًا من العقاب ، وطمعًا في الثواب . وعن ابن عباس وغيره: أنه كنى بالبرق عن الماء ، لما كان المطر يقاربه غالبًا وذلك من باب إطلاق الشيء مجازًا على ما يقاربه غالبًا . قال الحوفي: خوفًا وطمعًا مصدران في موضع الحال من ضمير الخطاب ، وجوزه الزمخشري أي: خائفين وطامعين ، قال: ومعنى الخوف والطمع ، أن وقوع الصواعق يخوف عند لمع البرق ، ويطمع في الغيث . قال أبو الطيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت