"صفحة رقم 391"
جبير والزجاج ، وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله ، والمعنى: كفى بالذي يستحق العبادة ، وبالذي لا يعلم ما في اللوح إلا هو شهيدًا بيني وبينكم . قال ابن عطية: ويعترض هذا القول بأن فيه عطف الصفة على الموصوف ، وذلك لا يجوز ، وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض انتهى . وليس ذلك كما زعم من عطف الصفة على الموصوف ، لأنّ من لا يوصف بها ولا لشيء من الموصولات إلا بالذي والتي وفروعهما ، وذو وذوات الطائيتين . وقوله: وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض ليس على إطلاقه ، بل له شرط وهو أن تختلف مدلولاتها . ويعني ابن عطية: لا تقول مررت بزيد . والعالم فتعطف ، والعالم على الاسم وهو علم لم يلحظ منه معنى صفة ، وكذلك الله علم . ولما شعر بهذا الاعتراض من جعله معطوفًا على الله قدر قوله: بالذي يستحق العبادة ، حتى يكون من عطف الصفات بعضها على بعض ، لا من عطف الصفة على الاسم . ومن في قراءة الجمهور في موضع خفض عطفًا على لفظ الله ، أو في موضع رفع عطفًا على موضع الله ، إذ هو في مذهب من جعل الباء زائدة فاعل بكفى . وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون في موضع رفع بالابتداء ، والخبر محذوف تقديره: أعدل وأمضى قولًا ونحو هذا مما يدل عليه لفظة شهيدًا ، ويراد بذلك الله تعالى . وقرىء: وبمن بدخول الباء على من عطفًا على بالله . وقرأ علي وأبي وابن عباس وعكرمة وابن جبير وعبد الرحمن بن أبي بكرة والضحاك وسالم بن عبد الله بن عمرو بن أبي إسحاق ، ومجاهد ، والحكم ، والأعمش: ومن عنده علم الكتاب بجعل من حرف جر ، وجر ما بعده به ، وارتفاع علم بالابتداء ، والجار والمجرو في موضع الجر . وقرأ علي أيضًا وابن السميقع ، والحسن بخلاف عنه . ومن عنده بجعل من حرف جر علم الكتاب ، بجعل علم فعلًا مبنيًا للمفعول ، والكتاب رفع به . وقرىء ومن عنده بحرف جر علم الكتاب مشددًا مبنيًا للمفعول ، والضمير في عنده في هذه القراآت الثلاث عائد على الله تعالى . وقال الزمخشري في القراءة التي وقع فيها عنده صلة برتفع العلم بالمقدر في الظرف فيكون فاعلًا ، لأنّ الظرف إذا وقع صلة أو غل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول ، فعمل على الفعل كقولك: مررت بالذي في الدار أخوه ، فأخوه فاعل ، كما تقول: بالذي استقر في الدار أخوه انتهى . وهذا الذي قاله الزمخشري ليس على وجه التحتم ، لأنّ الظرف والجار والمجرور إذا وقعا صلتين أو حالين أو خبرين ، إما في الأصل ، وإما في الناسخ ، أو تقدمهما أداة نفي ، أو استفهام ، جاز فيما بعدهما من الاسم الظاهر أن يرتفع على الفاعل وهو الأجود ، وجاز أن يكون ذلك المرفوع مبتدأ ، والظرف أو الجار والمجرور في مضوع رفع خبره ، والجملة من المبتدأ والخبر صلة أو صفة أو حال أو خبر ، وهذا مبني على اسم الفاعل . فكما جاز ذلك في اسم الفاعل ، وإن كان الأحسن إعماله في الاسم الظاهر ، فكذلك يجوز في ما ناب عنه من ظرف أو مجرور . وقد نص سيبويه على إجازة ذلك في نحو: مررت برجل حسن وجهه ، فأجاز حسن وجهه على رفع حسن على أنه خبر مقدم ، وهكذا تلقفنا هذه المسألة عن الشيوخ . وقد يتوهم بعض النشأة في النحو أن اسم الفاعل إذا اعتمد على شيء مما ذكرناه يتحتم إعماله في الظاهر ، وليس كذلك . وقد أعرب الحوفي عنده علم الكتاب مبتدأ وخبرًا في صلة من . وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون خبرًا يعني عنده ، والمبتدأ علم الكتاب انتهى . ومن قرأ: ومن عنده ، على أنه حرف جر فالكتاب في قراءته هو القرآن ، والمعنى: أنه تعالى من جهة فضله وإحسانه علم الكتاب ، أو علم الكتاب على القراءتين ، أي: علمت معانيه وكونه أعظم المعجزات الباقي على مر الأعصار ، فتشريف العبد بعلوم القرآن إنما ذلك من إحسان الله تعالى إليه وتوفيقه على كونه معجزًا ، وتوفيقه لإدراك ذلك .