"صفحة رقم 398"
أفواههم ، ورجعوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل . وقيل: الضمير في أفواههم على هذا القول عائد على الكفار ، وفي بمعنى الباء أي: بأفواههم ، والمعنى: كذبوهم بأفواههم . وفي بمعنى الباء يقال: جلست في البيت ، وبالبيت . وقال الفراء: قد وجدنا من العرب من يجعل في موضع الباء فتقول: أدخلك الله الجنة ، وفي الجنة . وأنشد: وارغب فيها من لقيط ورهطه
ولكني عن شنبس لست أرغب
يريد: أرغب بها . وقال أبو عبيدة: هذا ضرب مثل أي: لم يؤمنوا ولم يجيبوا . والعرب تقول للرجل إذا سكت عن الجواب وأمسك: رد يده في فيه ، وقاله الأخفش أيضًا . وقال القتبي: لم يسمع أحد من العرب يقول: رد يده في فيه إذا ترك ما أمر به انتهى . ومن سمع حجة على من لم يسمع هذا أبو عبيدة والأخفش نقلا ذلك عن العرب ، فعلى ما قاله أبو عبيدة يكون ذلك من مجاز التمثيل ، كان الممسك عن الجواب الساكت عنه وضع يده فيه . وقد رد الطبري قول أبي عبيدة وقال: إنهم قد أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به ، ولا يرد ما قاله الطبري ، لأنه يريد أبو عبيدة أنهم أمسكوا وسكتوا عن الجواب المرضي الذي يقتضيه مجيء الرسل بالبينات ، وهو الاعتراف بالإيمان والتصديق للرسل . قال ابن عطية: ويحتمل أن يتجوز في لفظة الأيدي أي: أنهم ردوا قوتهم ومدافعتهم ومكافحتهم فيما قالوا بأفواههم من التكذيب ، فكان المعنى: ردوا جميع مدافعتهم في أفواههم أي: في أقوالهم ، وغبر عن جميع المدافعة بالأيدي ، إذ الأيدي موضع أشد المدافعة والمرادة انتهى . بادروا أولًا إلى الكفر وهو التكذيب المحض ، ثم أخبروا بأنهم في شك وهو التردد ، كأنهم نظروا بعض نظر اقتضى أن انتقلوا من التكذيب المحض إلى التردد ، أو هما قولان من طائفتين: طائفة بادرت بالتكذيب والكفر ، وطائفة شكت ، والشك في مثل ما جاءت به الرسل كفر . وقرأ طلحة: مما تدعونا بإدغام نون الرفع في الضمير ، كما تدغم في نون الوقاية في مثل: أتحاجوني والمعنى: مما تدعوننا إليه من الإيمان بالله . ومريب صفة توكيدية ، ودخلت همزة الاستفهام الذي معناه الإنكار على الظرف الذي هو خبر عن المبتدأ ، لأنّ الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه ، وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وشهادتها عليه . وقدر مضاف فقيل: أفي إلاهية الله . وقيل: أفي وحدانيته ، ثم نبههم على الوصف الذي يقتضي أنْ لا يقع فيه شك البتة وهو كونه منشىء العالم وموجده ، فقال: فاطر السموات والأرض . وفاطر صفة لله ، ولا يضر الفصل بين الموصوف وصفته بمثل هذا المبتدأ ، فيجوز أن تقول: في الدار زيد الحسنة ، وإن كان أصل التركيب في الدار الحسنة زيد . وقرأ زيد بن علي: فاطر نصبًا على المدح ، ولما ذكر أنه موجد العالم ، ونبه على الوصف الذي لا يناسب أن يكون معه فيه شك ذكر ما هو عليه من اللطف بهم والإحسان إليهم فقال: يدعوكم ليغفر لكم أي: يدعوكم إلى الإيمان كما قال: إذ تدعون إلى الإيمان أو يدعوكم لأجل المغفرة ، نحو: دعوته لينصرني . وقال الشاعر: دعوت لما نابني مسورا
فلبى فلبى يدي مسور