"صفحة رقم 436"
وقال تعالى: ) مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى ( إلى والضمير في نسلكه عائد على الذكر قاله الزمخشري ، قال: والضمير للذكر أي: مثل ذلك السلك . ونحوه: نسلك الذكر في قلوب المجرمين على معنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذبًا مستهزأ به غير مقبول ، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام يعني: مثل هذا الإنزال أنزلها بهم ، مردودة غير مقصية . ومحل قوله: لا يؤمنون النصب على الحال أي: غير مؤمن به ، أو هو بيان لقوله: كذلك نسلكه انتهى . وما ذهب إليه من أنّ الضمير عائد على الذكر ذكره الغرنوي عن الحسن . قال الحسن: معناه نسلك الذكر إلزامًا للحجة . وقال ابن عطية: الضمير في نسلكه عائد على الاستهزاء والشرك ونحوه ، وهو قول: الحسن ، وقتادة ، وابن جريج ، وابن زيد . ويكون الضمير في به يعود أيضًا على ذلك نفسه ، وتكون باء السبب أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم ، ويكون قوله: لا يؤمنون به في موضع الحال ، ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائدًا على الذكر المحفوظ المتقدم الذكر وهو القرآن أي: مكذبًا به مردودًا مستهزأ به ، يدخله في قلوب المجرمين . ويكون الضمير في به عائدًا عليه ، ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائدًا على الاستهزاء والشرك ، والضمير في به يعود على القرآن ، فيختلف على هذا عود الضميرين انتهى . وروى ابن جريج عن مجاهد بذلك التكذيب ، فعلى هذا تكون الباء في به للسبب . والذي يظهر عوده على الاستهزاء المفهوم من قوله: يستهزؤون ، والباء في به للسبب . والمجرمون هنا كفار قريش ، ومن دعاهم الرسول إلى الإيمان . ولا يؤمنون إن كان إخبارًا مستأنفًا فهو من العام المراد به الخصوص فيمن ختم عليه ، إذ قد آمن عالم ممن كذب الرسول . وقد خلت سنة الأولين في تكذيبهم رسلهم ، أو في إهلاكهم حين كذبوا رسلهم ، واستهزؤوا بهم ، وهو تهديد لمشركي قريش . والضمير في عليهم عائد على المشركين ، وذلك لفرط تكذيبهم وبعدهم عن الإيمان حتى ينكروا ما هو محسوس مشاهد بالأعين مماس بالأجساد بالحركة والانتقال ، وهذا بحسب المبالغة التامة في إنكار الحق . والظاهر أنّ الضمير في فظلوا عائد على من عاد عليه في قوله: عليهم ، أي: لو فتح لهم باب من السماء ، وجعل لهم معراج يصعدون فيه لقالوا: هو شيء تتخيله لا حقيقة له ، وقد سخرنا بذلك . وجاء لفظ فظلوا مشعرًا بحصول ذلك في النهار ليكونوا مستوضحين لما عاينوا ، على أنّ ظل يأتي بمعنى صار أيضًا . وعن ابن عباس أنّ الضمير في فظلوا يعود على الملائكة لقولهم: ) لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَئِكَةِ ( أي: ولو رأوا الملائكة تصعد وتنصرف في باب مفتوح في السماء لما آمنوا .
وقرأ الأعمش ، وأبو حيوة: يعرجون بكسر الراء ، وهي لغة هذيل في العروج بمعنى الصعود . وجاء لفظ إنما مشعرًا بالحصر ، كأنه قال: ليس ذلك إلا تسكيرًا للإبصار . وقرأ الحسن ، ومجاهد ، وابن كثير: سكرت بتخفيف الكاف مبنيًا للمفعول ، وقرأ باقي السبعة: بشدها مبنيًا للمفعول . وقرأ الزهري: بفتح السين وكسر الكاف مخففة مبنيًا للفاعل ، شبهوا رؤية أبصارهم برؤية السكران لقلة تصوره ما يراه . فأما قراءة التشديد فعن ابن عباس وقتادة منعت عن رؤية الحقيقة من السكر ، بكسر السين وهو الشد والحبس . وعن الضحاك شدّت ، وعن جوهر جدعت ، وعن مجاهد حبست ، وعن الكلبي عميت ، وعن أبي عمرو غطيت ، وعن قتادة أيضًا أخذت ، وعن أبي عبيد غشيت . وأما قراءة التخفيف فقيل: بالتشديد ، إلا أنه للتكثير ، والتخفيف يؤدي عن معناه . وقيل: معنى التشديد أخذت ، ومعنى التخفيف سحرت . والمشهور أن سكر لا يتعدى . قال أبو علي: ويجوز أن يكون سمع متعديًا في البصرة . وحكى أبو عبيدة عن أبي عبيدة أنه يقال: سكرت أبصارهم إذا غشيها سهاد حتى لا يبصروا . وقيل: التشديد من سكر الماء ، والتخفيف من سكر الشراب ، وتقول العرب: سكرت الريح تسكر سكرًا إذا ركدت ولم تنفذ لما انتفت بسبيله ، أولًا وسكرًا الرجل من الشراب سكرًا إذا تغيرت حاله وركد ولم ينفذ فيما كان للإنسان أن ينفذ فيه . ومن هذا المعنى سكران يبت أي: لا يقطع أمرًا . وتقول