فهرس الكتاب

الصفحة 2672 من 4224

"صفحة رقم 488"

على أنه يسألهم عن افترائهم واختلاقهم في إشراكهم مع الله آلهة ، وأنها أهل للتقرب إليها بجعل النصيب لها ، والسؤال في الآخرة ، أو عند عذاب القبر ، أو عند القرب من الموت أقوال . ولما ذكر الله تعالى أنه يسألهم عن افترائهم ، ذكر أنهم مع اتخاذهم آلهة نسبوا إلى الله تعالى التوالد وهو مستحيل ، ونسبوا ذلك إليه فيما لم يرتضوه ، وتربد وجوههم من نسبته إليهم ويكرهونه أشد الكراهة . وكانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات الله سبحانه وتنزيه له تعالى عن نسبة الولد إليه ، ولهم ما يشتهون: وهم الذكور ، وهذه الجملة مبتدأ وخبر . وقال الزمخشري: ويجوز فيما يشتهون الرفع على الابتداء ، والنصب على أن يكون معطوفًا على البنات أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور انتهى . وهذا الذي أجازه من النصب تبع فيه الفراء والحوفي . وقال أبو البقاء: وقد حكاه ، وفيه نظر . وذهل هؤلاء عن قاعدة في النحو: وهو أن الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل لا يتعدّى إلى ضميره المتصل المنصوب ، فلا يجوز زيد ضربه زيد ، تريد ضرب نفسه إلا في باب ظن وأخواتها من الأفعال القلبية ، أو فقد ، وعدم ، فيجوز: زيد ظنه قائمًا وزيد فقده ، وزيد عدمه . والضمير المجرور بالحرف المنصوب المتصل ، فلا يجوز زيد غضب عليه تريد غضب على نفسه ، فعلى هذا الذي تقرر لا يجوز النصب إحذ يكون التقدير: ويجعلون لهم ما يشتهون . قالوا: وضمير مرفوع ، ولهم مجرور باللام ، فهو نظير: زيد غضب عليه .

وإذا بشر ، المشهور أن البشارة أول خبر يسر ، وهنا قد يراد به مطلق الأخبار ، أو تغير البشرة ، وهو القدر المشترك بين الخبر السار أو المخبرين ، وفي هذا تقبيح لنسبتهم إلى الله المنزه عن الولد البنات واحدهم أكره الناس فيهنّ ، وأنفرهم طبعًا عنهن . وظل تكون بمعنى صار ، وبمعنى أقام نهارًا على الصفة التي تسند إلى اسمها تحتمل الوجهين . والأظهر أن يكون بمعنى صار ، لأنّ التبشير قد يكون في ليل ونهار ، وقد تلحظ الحالة الغالبة . وأنّ أكثر الولادات تكون بالليل ، وتتأخر أخبار المولود له إلى النهار وخصوصًا بالأنثى ، فيكون ظلوله على ذلك طول النهار . واسوداد الوجه كناية عن العبوس والغم والتكره والنفرة التي لحقته بولادة الأنثى . قيل: إذا قوي الفرح انبسط روح القلب من داخله ووصل إلى الأطراف ، ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد ، فترى الوجه مشرقًا متلألئًا . وإذا قوي الغم انحصر الروح إلى باطن القلب ولم يبق له أثر قوي في ظاهر الوجه ، فيربد الوجه ويصفر ويسود ، ويظهر فيه أثر الأرضية ، فمن لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ، ومن لوازم الغم والحزن اربداده واسوداده ، فلذلك كنى عن الفرح بالاستنارة ، وعن الغم بالاسوداد . وهو كظيم أي: ممتلىء القلب حزنًا وغمًّا . أخبر عما يظهر في وجهه وعن ما يجنه في قلبه . وكظيم يحتمل أن يكون للمبالغة ، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول لقوله: ) وَهُوَ مَكْظُومٌ ( ويقال: سقاء . مكظوم ، أي مملوء مشدود الفم . وروى الأصمعي أنّ امرأة ولدت بنتًا سمتها الذلفاء ، فهجرها زوجها فقالت: ما لأبي الذلقاء لا يأتينا

يظل في البيت الذي يلينا

يحردان لا نلد البنينا

وإنما نأخذ ما يعطينا

يتوارى: يختفي من الناس ، ومن سوء للتعليل أي: الحال له على التواري هو سوء ما أخبر به ، وقد كان بعضهم في الجاهلية يتوارى حالة الطلق ، فإن أخبر بذكر ابتهج ، أو أنثى حزن . وتوارى أيامًا يدبر فيها ما يصنع . أيمسكه قبله حال محذوفة دل عليها المعنى ، والتقدير: مفكرًا أو مدبرًا أيمسكه ؟ وذكر الضمير ملاحظة للفظ ما في قوله: من سوء ما بشر به . وقرأ الجحدري: أيمسكها على هوان ، أم يدسها بالتأنيث عودًا على قوله: بالأنثى ، أو على معنى ما بشر به ، وافقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت