فهرس الكتاب
"صفحة رقم 491"
واستعجلونا وكانوا من صحابتنا
كما تعجل فراط لوراد
ومنه ( أنا فرطكم على الحوض ) أي متقدمكم . وقال ابن جبير ، ومجاهد ، وابن أبي هند: مفرطون مخلفون متروكون في النار من أفرطت فلانًا خلفى إذا خلفته ونسيته . قال أبو البقاء: تقول العرب أفرطت منهم ناسًا أي خلفتهم ونسيتهم . وقرأ أبو جعفر: مفرطون مشددًا من فرط أي: مقصرون مضيعون . وعنه أيضًا: فتح الراء وشدها أي ، مقدمون من فرطته المعدى بالتضعيف من فرط بمعنى: تقدم . ثم أخبر تعالى بإرسال الرسل إلى أمم من قبل أممك ، مقسمًا على ذلك ومؤكدًا بالقسم وبقد التي تقتضي تحقيق الأمر على سبيل التسلية للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) لما كان يناله بسبب جهالات قومه ونسبتهم إلى الله ما لا يجوز ، فزين لهم الشيطان أعمالهم من تماديهم على الكفر ، فهو وليهم اليوم حكاية حال ماضية أي: لا ناصر لهم في حياتهم إلا هو ، أو عبر باليوم عن وقت الإرسال ومحاورة الرسل لهم ، أو حكاية حال آتية وهي يوم القيامة . وأل في اليوم للعهد ، وهو اليوم المشهود ، فهو وليهم في ذلك اليوم أي: قرينهم وبئس القرين . والظاهر عود الضمير في وليهم إلى أمم . وقال الزمخشري: ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش ، وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم ، فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم . ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي: فهو ولي أمثالهم اليوم انتهى . وهذا فيه بعد ، لاختلاف الضمائر من غير ضرورة تدعو إلى ذلك ، ولا إلى حذف المضاف . واللام في لتبين لام التعليل ، والكتاب القرآن ، والذي اختلفوا فيه من الشرك والتوحيد والجبر والقدر وإثبات المعاد ونفيه ، وغير ذلك مما يعتقدون من الأحكام: كتحريم البحيرة ، وتحليل الميتة والدم ، وغير ذلك من الأحكام . وهدى ورحمة في موضع نصب على أنهما مفعول من أجله ، وانتصبًا لاتحاد الفاعل في الفعل وفيهما ، لأن المنزل هو الله وهو الهادي والراحم . ودخلت اللام في لتبين لاختلاف الفاعل ، لأن المنزل هو الله ، والتبيين مسند للمخاطب وهو الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقول الزمخشري: معطوف محل لتبين ليس بصحيح ، لأنّ محله ليس نصبًا فيعطف منصوب عليه . ألا ترى أنه لو نصبه لم يجز لاختلاف الفاعل ؟ .
والله أنزل من السماء ماء قال أبو عبد الله الرازي: المقصود من القرآن أربعة: الإلهيات ، والنبوات ، والمعاد ، والقدر ، والأعظم منها الإلهيات فابتدأ في ذكر دلائلها بالأجرام الفلكية ، ثم بالإنسان ثم بالحيوان ، ثم بالنبات ثم بأحوال البحر والأرض ، ثم عاد إلى تقدير الإلاهيات فبدأ بذكر الفلكيات انتهى ملخصًا . وقال ابن عطية: لما أمره بتبيين ما اختلف فيه قص العبر المؤدية إلى بيان أمر الربوبية ، فبدأ بنعمة المطر التي هي أبين العبر ، وهي ملاك الحياة ، وهي في غاية الظهور ، ولا يختلف فيها عاقل انتهى . ونقول: لما ذكر إنزال الكتاب للتبيين كان القرآن حياة الأرواح وشفاء لما في الصدور من علل العقائد ، ولذلك ختم بقوله: لقوم يؤمنون أي: يصدقون . والتصديق محله القلب ، فكذا إنزال المطر الذي هو حياة الأجسام وسبب لبقائها . ثم أشار بإحياء الأرض بعد موتها إلى إحياء القلوب بالقرآن ، كما قال تعالى: ) أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ( فكما تصير الأرض خضرة بالنبات نضرة بعد همودها ، كذلك القلب يحيا بالقرآن بعد أن كان ميتًا بالجهل . وكذلك ختم بقوله: يسمعون هذا التشبيه المشار إليه ، والمعنى: سماع إنصاف وتدبر ، ولملاحظة هذا المعنى والله أعلم لم يختم بلقوم يبصرون ، وإن كان إنزال المطر مما يبصر ويشاهد . وقال ابن عطية: وقوله يسمعون ، يدل على ظهور هذا المعتبر فيه وتبيانه ، لأنه لا يحتاج إلى نظر ولا تفكر ، وإنما يحتاج البتة إلى أن يسمع القول فقط .
( وَإِنَّ لَكُمْ فِى الاْنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ