فهرس الكتاب

الصفحة 2674 من 4224

"صفحة رقم 490"

لما حكى الله تعالى عن الكفار عظيم ما ارتكبوه من الكفر ونسبة التولد له ، بيَّن تعالى أنه يمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهارًا لفضله ورحمته . ويؤاخذ: مضارع آخذ ، والظاهر أنه بمعنى المجرد الذي هو أخذه . وقال ابن عطية: كان أحد المؤاخذين يأخذ من الآخر ، إما بمعصية كما هي في حق الله تعالى ، أو بإذاية في جهة المخلوقين ، فيأخذ الآخر من الأول بالمعاقبة والجزاء انتهى . والظاهر: عموم الناس . وقيل: أهل مكة ، والباء في بظلمهم للسبب . وظلمهم كفرهم ومعاصيهم . والضمير في عليها عائد على غير مذكور ، ودل على أنه الأرض قوله: من دابة ، لأن الدبيب من الناس لا يكون إلا في الأرض ، فهو كقوله: ) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ( أي بالمكان لأن ) وَالْعَادِيَاتِ ( معلوم أنها لا تعدو إلا في مكان ، وكذلك الإثارة والنفع . والظاهر عموم من دابة فيهلك الصالح بالطالح ، فكان يهلك جميع ما يدب على الأرض حتى الجعلان في جحرها قاله: ابن مسعود . قال قتادة: وقد فعل تعالى في زمن نوح عليه السلام . وقال السدي ومقاتل: إذا قحط المطر لم تبق دابة إلا هلكت . وسمع أبو هريرة رجلًا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه ، فقال: بلى والله حتى أن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم . وهذا نظير: ) وَاتَّقُواْ فِتْنَةً ( الآية والحديث( أنهلك وفينا الصالحون ) وقال ابن السائب ، واختاره الزجاج: من دابة من الإنس والجن . وقال ابن جريج: من الناس خاصة . وقالت فرقة منهم ابن عباس: من دابة من مشرك يدب عليها ، ولكن يؤخرهم إلى أجل الآية ، تقدّم تفسير ما يشبهه في الأعراف . وما في ما يكرهون لمن يعقل ، أريد بها النوع كقوله: ) فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ ( ومعنى: ويجعلون ، يصفونه بذلك ويحكمون به . وقال الزمخشري: ما يكرهون لأنفسهم من البنات ، ومن شركاء في رئاستهم ، ومن الاستخفاف برسلهم والتهاون برسالاتهم ، ويجعلون له أرذل أموالهم ، ولأصنامهم أكرمها ، وتصف ألسنتهم مع ذلك أنّ لهم الحسنى عند الله كقوله: ) وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَى ( انتهى .

وقال مجاهد: الحسنى قول قريش لنا البنون ، يعني قالوا: لله البنات ولنا البنون . وقيل: الحسنى الجنة ، ويؤيده: لا جرم أن لهم النار ، والمعنى على هذا: يجعلون لله المكروه ، ويدعون مع ذلك أنهم يدخلون الجنة كما تقول: أنت تعصي الله وتقول مع ذلك: أنك تنجو ، أي هذا بعيد مع هذا . وهذا القول لا يتأتى إلا ممن يقول بالبعث ، وكان فيهم من يقول به . أو على تقدير أنْ كان ما يقول من البعث صحيحًا ، وأنّ لهم الحسنى بدل من الكذب ، أو على إسقاط الحرف أي: بأن لهم . وقرأ الحسن ومجاهد باختلاف ألسنتهم: بإسكان التاء ، وهي لغة تميم جمع لسانًا المذكر نحو: حمار وأحمرة ، وفي التأنيث: ألسن كذراع وأذرع . وقرأ معاذ بن جبل وبعض أهل الشام: الكذب بضم الكاف والذال والباء صفة للألسن ، جمع كذوب كصبور وصبر ، وهو مقيس ، أو جمع كاذب كشارف وشرف ولا ينقا ، وعلى هذه القراءة أنّ لهم مفعول تصف ، وتقدم الكلام في لا جرم أن .

وقرأ الحسن وعيسى بن عمران: لهم بكسر الهمزة ، وأن جواب قسم أغنت عنه لا جرم . وقرأ ابن عباس ، وابن مسعود وأبو رجاء ، وشيبة ، ونافع ، وأكثر أهل المدينة: مفرطون بكسر الراء من أفرط حقيقة أي: متجاوزون الحد في معاصي الله . وباقي السبعة ، والحسن ، والأعرج ، وأصحاب ابن عباس ، ونافع في رواية ، بفتح الراء من أفرطته إلى كذا قدمته ، معدى بالهمزة من فرط إلى كذا تقدم إليه . قال القطامي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت