فهرس الكتاب
"صفحة رقم 499"
فضل ما رزق عليه ويساويه في المطعم والملبس ، كما يحكى عن أبي ذرّ أنه ريء عبده وإزاره ورداؤه مثل ردائه من غير تفاوت ، عملًا بقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( إنما هم أخوانكم فاكسوهم مما تلبسون واطعموهم مما تطعمون ) وعن ابن عباس وقتادة: أنّ الأخبار بقوله: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على سبيل المثل أي: إنّ المفضلين في الرزق لا يصح منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أعطوا حتى تستوي أحوالهم ، فإذا كان هذا في البشر فكيف تنسبون أنتم أيها الكفرة إلى الله تعالى أنه يشرك في ألوهيته الأوثان والأصنام ، ومن عد من الملائكة وغيرهم والجميع عبيده وخلقه ؟ وعن ابن عباس: أن الآية مشيرة إلى عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام . وقال المفسرون: هذه الآية كقوله: ) ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مّنْ أَنفُسِكُمْ( الآية . وقيل: المعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعًا ، فهم في رزقي سواء ، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئًا من الرزق ، فإنما ذلك أجريه إليهم على أيديهم . وعلى هذا القول يكون فهم فيه سواء جملة أخبار عن تساوي الجميع في أكن الله تعالى هو رازقهم ، وعلى القولين الآخرين تكون الجملة في موضع جواب النفي كأنه قيل: فيستووا . وقيل: هي جملة استفهامية حذف منها الهمزة التقدير: أفهم فيه سواء أي: ليسوا مستوين في الرزق ، بل التفضيل واقع لا محالة . ثم استفهم عن جحودهم نعمة استفهام إنكار ، وأتى بالنعمة الشاملة للرزق وغيره من النعم التي لا تحصى أي: إنّ من تفضل عليكم بالنشأة أولًا ثم مما فيه قوام حياتكم جدير بأن تشكر نعمه ولا تكفر .
وقرأ أبو بكر عن عاصم ، وأبو عبد الرحمن ، والأعرج بخلاف عنه: تجحدون بالتاء على الخطاب لقوله: فضل ، تبكيتًا لهم في جحد نعمة الله . ولما ذكر تعالى امتنانه بالإيجاد ثم بالرزق المفضل فيه ، ذكر امتنانه بما يقوم بمصالح الإنسان مما يأنس به ويستنصر به ويخدمه ، واحتمل أن أنفسكم أن يكون المراد من جنسكم ونوعكم ، واحتمل أن يكون ذلك باعتبار خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم ، فنسب ذلك إلى بني آدم ، وكلا الاحتمالين مجاز . والظاهر أن عطف حفدة على بنين يفيد كون الجميع من الأزواج ، وأنهم غير البنين . فقال الحسن: هم بنو ابنك . وقال ابن عباس والأزهري: الحفدة أولاد الأولاد ، واختاره ابن العربي . وقال ابن عباس أيضًا: البنون صغار الأولاد ، والحفدة كبارهم . وقال مقاتل: بعكسه ، وقيل: البنات لأنهنّ يخدمن في البيوت أتم خدمة . ففي هذا القول خص البنين بالذكران لأنه جمع مذكر كما قال: )الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا ( وإنما الزينة في الذكورة . وعن ابن عباس: هم أولاد الزوجة من غير الزوج التي هي في عصمته . وقيل: وحفدة منصوب بجعل مضمرة ، وليسوا داخلين في كونهم من الأزواج . فقال ابن مسعود ، وعلقمة ، وأبو الضحى ، وابراهيم بن جبير: الأصهار ، وهم قرابة الزوجة كأبيها وأخيها . وقال مجاهد: هم الأنصار والأعوان والخدم . وقالت فرقة: الحفدة هم البنون أي: جامعون بين البنوة والخدمة ، فهو من عطف الصفات لموصوف واحد . قال ابن عطية ما معناه: وهذه الأقوال مبنية على أن كل أحد جعل له من زوجه بنين وحفدة ، وهذا إنما هو في الغالب وعظم الناس . ويحتمل عندي أن قوله من أزواجكم ، إنما هو على العموم والاشتراك أي: من أزواج البشر جعل الله منهم البنين ، ومنهم جعل الخدمة ، وهكذا رتبت الآية النعمة التي تشمل العالم . ويستقيم لفظ الحفدة على مجراها في اللغة ، إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحد منهم عن حفدة انتهى . وفي قوله: من أنفسكم أزواجًا دلالة على كذب العرب في اعتقادها أن الآدمي قد يتزوج من الجن ويباضعها ، حتى حكوا ذلك عن عمرو بن هندانة تزوج سعلاة .
ومِن في الطيبات للتبعيض ، لأن كل الطيبات في الجنة ، والذي في الدنيا أنموذج منها . والظاهر أنّ الطيبات هنا المستلذات لا الحلال ، لأن المخاطبين كفار لا يتلبسون بشرع . ولما ذكر تعالى ما امتن به من جعل الأزواج وما ننتفع به من جهتين ، ذكر مننه بالرزق . والطيبات عام في النبات والثمار والحبوب والأشربة ، ومن الحيوان . وقيل: الطيبات الغنائم . وقيل: ما أتى من غير نصب . وقال مقاتل: الباطل الشيطان ، ونعمة لله محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقال الكلبي: طاعة الشيطان في الحلال والحرام . وقيل: ما يرجى من شفاعة الأصنام وبركتها . قال الزمخشري: أفبالباطل