فهرس الكتاب
"صفحة رقم 514"
قربت من العالم لعظمت السخونة واحترق ما فيه ، ولو زاد بعدها لاستوى الحر والبرد . وكذا مقادير حركات الكواكب ، ومراتب سرعتها ، وبطئها . والإحسان: الزيادة على الواجب من الطاعات بحسب الكمية والكيفية ، والدواعي ، والصوارف ، والاستغراق في شهود مقامات العبودية والربوبية . ومن الإحسان الشفقة على الخلق ، وأصلها صلة الرحم ، والمنهى عنه ثلاثة . وذلك أنه أودع في النفس البشرية قوى أربعة: الشهوانية وهي تحصيل اللذات ، والغضبية وهي: إيصال الشر ، ووهمية: وهي شيطانية تسعى في الترفع والتراوس على الناس . فالفحشاء ما نشأ عن القوّة الشهوانية الخارجة عن أدب الشريعة ، والمنكر ما نشأ عن الغضبية ، والبغي ما نشأ عن الوهمية انتهى . ما تخلص من كلامه عفا الله عنه . ولما أمر تعالى بتلك الثلاث ، ونهى عن تلك الثلاث قال: يعظكم به ، أي بما ذكر تعالى من أمر ونهي ، والمعنى: ينبهكم أحسن تنبيه لعلكم تذكرون أي: تتنبهون لما أمرتم به ونهيتم عنه ، وعقد الله علم لما عقده الإنسان والتزمه مما يوافق الشريعة . وقال الزمخشري: هي البيعة لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ). وكأنه لحظ ما قيل أنها نزلت في الذين بايعوا الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) على الإسلام ، رواه عن بريدة . وقال قتادة ومجاهد: فيما كان من تحالف الجاهلية في أمر بمعروف أو نهي عن منكر . وقال ميمون بن مهران: الوفاء لمن عاهدته مسلمًا كان أو كافرًا ، فإنما العهد لله . وقال الأصم: الجهاد وما فرض في الأموال من حق . وقيل: اليمين بالله ، ولا تنقضوا العهود الموثقة بالإيمان ، نهى عن نقضها تهممًا بها بعد توكيدها أي: توثيقها باسم الله وكفالة الله وشهادته ، ومراقبته ، لأن الكفيل مراع لحال المكفول به . ولا تكونوا أي: في نقض العهد بعد توكيده بالله كالمرأة الورهاء تبرم فتل غزلها ثم تنقضه نكثًا ، وهو ما يحل فتله . والتشبيه لا يقتضي تعيين المشبه به . وقال السدي ، وعبد الله بن كثير: هي امرأة حمقاء كانت بمكة . وعن الكلبي ومقاتل: هي من قريش خرقاء اسمها ريطة بنت سعد بن تيم ، تلقب بجفراء ، اتخذت مغزلًا قدر ذراع ، وصنارة مثل أصبع ، وفلكة عظيمة على قدرها ، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن . وعن مجاهد: هذا فعل نساء أهل نجد ، تنقض إحداهن غزلها ثم تنفشه ، وتخلطه بالصوف فتغزله . وقال ابن الأنباري: ريطة بنت عمرو المرية ، ولقبها الجفراء من أهل مكة ، وكانت معروفة عند المخاطبين . والظاهر أنّ المراد بقوله: من بعد قوّة أي: شدة حدثت من تركيب قوى الغزل . ولو قدرناها واحدة القوى لم تكن تنتقض أنكاثًا . والنكث في اللغة الحبل إذا انتقضت قواه . وقال مجاهد: المعنى من بعد إمرار قوة . والدخل: الفساد والدغل ، جعلوا الإيمان ذريعة إلى الخدع والغدر ، وذلك أن المحلوف له مطمئن ، فيمكن الحالف ضره بما يريده . قالوا: نزلت في العرب كانوا إذا حالفوا قبيلة فجاء أكثر منها عددًا حالفوه وغدروا بالتي كانت أقل . وقيل: أن تكونوا أنتم أزيد خبرًا ، فأسند إلى أمة ، والمراد المخاطبون . وقال ابن بحر: الدخل والداخل في الشيء لم تكن منه ، ودخلًا مفعول ثان . وقيل: مفعول من أجله ، وأن تكون أي: بسبب أن تكون وهي أربى مبتدأ وخبر . وأجاز الكوفيون أن تكون هي عمادًا يعنون فضلًا ، فيكون أربى في موضع نصب ، ولا يجوز ذلك عند البصريين لتنكير أمة . والضمير في به عائد على المصدر المنسبك من أن تكون أي: بسبب كون أمة أربى من أمة يختبركم بذلك . قال الزمخشري: لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله ، وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوتهم وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم وليبينن لكم: إنذار وتحذير من مخالفة ملة الإسلام انتهى . وقيل: يعود على الوفاء بالعهد . وقال ابن جبير ، وابن السائب ، ومقاتل: يعود على الكثرة . قال ابن الأنباري: لما كان تأنيثها غير حقيقي حمل على معنى التذكير ، كما حملت الصيحة على الصياح