فهرس الكتاب
"صفحة رقم 529"
وليس على الله بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد
وعن ابن مسعود: إنه معلم الخير ، وأطلق هو وعمر ذلك على معاذ فقال: كان أمة قانتًا . وقال ابن الأنباري: هذا مثل قول العرب: فلان رحمة ، وعلامة ، ونسابة ، يقصدون بالتأنيث التناهي في المعنى الموصوف به . وقيل: الأمة الإمام الذي يقتدي به من أم يؤم ، والمفعول قد يبنى للكثرة على فعلة وتقدم تفسير القانت ، والحنيف: شاكرًا الأنعمة . روي أنه كان لا يتعدى إلا مع ضيف ، فلم يجد ذات يوم ضيفًا فأخر غداه ، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر ، فدعاهم إلى الطعام ، فخيلوا أنَّ بهم جذامًا فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم ، شكر الله على أنه عافاني وابتلاكم . ورتيناه في الدنيا حسنة ، قال قتادة: حببه الله تعالى إلى كل الخلق ، فكل أهل الأديان يتولونه اليهود والنصارى والمسلمون ، وخصوصًا كفار قريش ، فإنّ فخرهم إنما هو به ، وذلك بإجابة دعوته . ) وَاجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاْخِرِينَ ( وقيل: الحسنة قول المصلي منا: كما صليت على إبراهيم . وقال ابن عباس: الذكر الحسن . وقال الحسن: النبوة . وقال مجاهد: لسان صدق . وقال قتادة: القبول ، وعنه تنويه الله بذكره . وقيل: الأولاد الأبرار على الكبر . وقيل: المال يصرفه في الخير والبر . ) وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُصْلِحِينَ ( ، تقدم الكلام على هذه الجملة في البقرة ، ولما وصف إبراهيم عليه السلام بتلك الأوصاف الشريفة أمر نبيه( صلى الله عليه وسلم ) ) أن يتبع ملته ، وهذا الأمر من جملة الحسنة التي آتاها الله إبراهيم في الدنيا . قال ابن فورك: وأمر الفاضل باتباع المفضول ، لما كان سابقًا إلى قول الصواب والعمل به . وقال الزمخشري: ثم أوحينا في ثم هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وإجلال محله ، والإيذان بأنّ أشرف ما أوت يخليل الله إبراهيم عليه السلام من الكرامة ، وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ملته ، من قبل أنها على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليها بها انتهى . وأنْ تفسيرية ، أو في موضع المفعول . واتباع ملته قال قتادة: في الإسلام ، وعنه أيضًا: جميع ملته إلا ما أمر بتركه . وعن عمرو بن العاص: مناسك الحج . وقال القرطبي: الصحيح عقائد الشرع دون الفروع لقوله: ) لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ( وقيل: في التبري من الأوثان . وقال قوم كان على شريعة إبراهيم ، وليس له شرع ينفرد به ، وإنما المقصود من بعثته إحياء شرع إبراهيم عليه السلام . قال أبو عبد الله الرازي: وهذا القول ضعيف ، لأنه وصف إبراهيم في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين ، فلما قال: اتبع ملة إبراهيم ، كان المراد ذلك . فإن قيل: النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية ، وإذا كان كذلك لم يكن متابعًا له ، فيمتنع حمل قوله: أن اتبع ، على هذا المعنى ، فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها .
( قلت ) : يحتمل أن يكون المراد متابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد ، وهي أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة ، وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن انتهى . ولا يحتاج إلى هذا ، لأنّ المعتقد الذي تقتضيه دلائل العقول لا يمتنع أنْ يوحي لتظافر المعقول والمنقول على اعتقاده . ألا ترى إلى قوله تعالى: ) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَاهُكُمْ إِلَاهٌ واحِدٌ ( فليس اعتقاد الوحدانية بمجرد الوحي فقط ، وإنما تظافر المنقول عن الله في ذلك مع دليل العقل . وكذلك هنا أخبر تعالى أنّ إبراهيم لم يكن مشركًا ، وأمر الرسول باتباعه في ذلك ، وإن كان انتفاء الشرك ليس مستنده مجرد الوحي ، بل الدليل العقلي والدليل الشرعي تظافرًا على ذلك . وقال ابن عطية: قال مكي: ولا يكون يعني حنيفًا حالًا من إبراهيم لأنه مضاف إليه ، وليس كما قال لأنّ الحال قد تعمل فيها حروف الخفض إذا عملت في ذي الحال كقولك: مررت بزيد قائمًا انتهى . أما ما حكى عن مكي وتعليله امتناع ذلك بكونه مضافًا إليه ، فليس على إطلاق هذا التعليل لأنه إذا كان المضاف