"صفحة رقم 530"
إليه في محل رفع أو نصب ، جازت الحال منه نحو: يعجبني قيام زيد مسرعًا ، وشرب السويق ملتوتًا . وقال بعض النحاة: ويجوز أيضًا ذلك إذا كان المضاف جزءًا من المضاف إليه كقوله: ) وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا ( أو كالجزء منه كقوله: ) مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا ( وقد بينا الصحيح في ذلك فيما كتبناه على التسهيل ، وعلى الألفية لابن مالك . وأما قول ابن عطية في رده على مكي بقوله: وليس كما قال ، لأنّ الحال إلى آخره فقول بعيد عن قول أهل الصنعة ، لأن الباء في بزيد ليست هي العاملة في قائمًا ، وإنما العامل في الحال مررت ، والباء وإن عملت الجر في زيد فإنّ زيدًا في موضع نصب بمررت ، وكذلك إذا حذف حرف الجر حيث يجوز حذفه نصب الفعل ذلك الاسم الذي كان مجرورًا بالحرف . ولما أمر الله رسوله( صلى الله عليه وسلم ) ) باتباع ملة إبراهيم عليه السلام ، وكان الرسول قد اختار يوم الجمعة ، فدل ذلك على أنه كان في شرع إبراهيم ، بين أنّ يوم السبت لم يكن تعظيمه ، واتخاذه للعبادة من شرع إبراهيم ولا دينه ، والسبت مصدر ، وبه سمي اليوم . وتقدم الكلام في هذا اللفظ في الأعراف . قال الزمخشري: سبتت اليهود إذا عظمت سبتها والمعنى: إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه ، واختلافهم فيه: أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة ، وكان الواجب عليهم أنْ يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة بعدما حتم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه ، والمعنى في ذكر ذلك نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلًا ، وغير ما ذكر وهو الإنذار من سخط الله على العصاة والمخالفين لأوامره والخالعين ربقة طاعته .
( فإن قلت ) : فما معنى الحكم بينهم إذا كانوا جميعًا محلين أو محرمين ؟ ( قلت ) : معناه أنه يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في كونهم محلين تارة ومحرمين أخرى ، ووجه آخر وهو أنّ موسى عليه السلام أمرهم أنْ يجعلوا في الأسبوع يومًا للعبادة ، وأن يكون يوم الجمعة ، فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض وهو السبت ، إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة ، فهذا اختلافهم في السبت ، لأنّ بعضهم اختاره ، وبعضهم اختار عليه الجمعة ، فأذن الله لهم في السبت ، وابتلاهم بتحريم الصيد فيه ، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون ، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك . وهو يحكم بينهم يوم القيامة ، فيجازي كل واحد من الفريقين بما يستوجبه . ومعنى جعل السبت: فرض عليهم تعظيمه ، وترك الاصطياد فيه انتهى . وهو كلام ملفق من كلام المفسرين قبله . وقال الكرماني: عدي جعل بعلي ، لأن اليوم صار عليهم لا لهم ، لارتكابهم المعاصي فيه انتهى . ولهذا قدره الزمخشري: إنما جعل وبال السبت . وقال الحسن: جعل السبت لعنة عليهم بأن جعل منهم القردة . وقال ابن عباس: إن الله سبحانه قال: ذروا الأعمال في يوم الجمعة وتفرغوا فيه لعبادتي ، فقالوا: نريد السبت ، لأن الله تعالى فرغ فيه من خلق السموات والأرض ، فهو أولى بالراحة . وقرأ أبو حيوة: جعل بفتح الجيم والعين مبنيًا للفاعل ، وعن ابن مسعود والأعمش: أنهما قرآ إنما أنزلنا السبت ، وهي تفسير معنى لا قراءة ، لأنها مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه ، ولما استفاض عن الأعمش وابن مسعود أنهما قرآ كالجماعة .
( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ ( سقط: عَن سَبِيلِهِ وهو أعلم بالمهتدين ، وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ، واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون