"صفحة رقم 531"
(: أمر الله تعالى رسوله( صلى الله عليه وسلم ) ) أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ، وهو أن يسمع المدعو حكمة ، وهو الكلام الصواب القريب الواقع من النفس أجمل موقع . وعن ابن عباس: أنّ الحكمة القرآن ، وعنه: الفقه . وقيل: النبوّة . وقيل: ما يمنع من الفساد من آيات ربك المرغبة والمرهبة . والموعظة الحسنة مواعظ القرآن عن ابن عباس ، وعنه أيضًا: الأدب الجميل الذي يعرفونه . وقال ابن جرير: هي العبر المعدودة في هذه السورة . وقال ابن عيسى: الحكمة المعروفة بمراتب الأفعال والموعظة الحسنة أن تختلط الرغبة بالرهبة ، والإنذار بالبشارة . وقال الزمخشري: إلى سبيل ربك الإسلام ، بالحكمة بالمقالة المحكمة الصحيحة ، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة ، والموعظة الحسنة وهي التي لا تخفى عليهم إنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها ، ويجوز أن يريد القرآن أي: ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة ، وجادلهم بالتي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف . وقال ابن عطية: الموعظة الحسنة التخويف والترجئة والتلطف بالإنسان بأن تجله وتنشطه ، وتجعله بصورة من قبل الفضائل ونحو هذا . وقالت فرقة: هذه الآية منسوخة بآية القتال ، وقالت فرقة: هي محكمة .
وإن عاقبتم أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة وغيره في يوم أحد ، ووقع ذلك في صحيح البخاري ، وفي كتاب السير . وذهب النحاس إلى أنها مكية ، والمعنى متصل بما قبلها اتصالًا حسنًا ، لأنها تتدرج الذنب من الذي يدعي ، وتوعظ إلى الذي يجادل ، إلى الذي يجازى على فعله ، ولكن ما روى الجمهور أثبت انتى . وذهبت فرقة منهم ابن سيرين ومجاهد: إلى أنها نزلت فيمن أصيب بظلامة أنْ لا ينال من ظالمه إذا تمكن الأمثل ظلامته لا يتعداها إلى غيرها ، وسمى المجازاة على الذنب معاقبة لأجل المقابلة ، والمعنى: قابلوا من صنع بكم صنيع سوء بمثله ، وهو عكس: ) وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ ). المجاز في الثاني وفي: وإنْ عاقبتم في الأول . وقرأ ابن سيرين: وإنْ عقبتم فعقبوا بتشديد القافين أي: وإنْ قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم . والظاهر عود الضمير إلى المصدر الدال عليه الفعل مبتدأ بالإضافة إليهم أي: لصبركم وللصابرين أي: لكم أيها المخاطبون ، فوضع الصابرين موضع الضمير ثناء من الله عليهم بصبرهم على الشدائد ، وبصبرهم على المعقابة . وقيل: يعود إلى جنس الصبر ، ويراد بالصابرين جنسهم ، فكأنه قيل: والصبر خير للصابرين ، فيندرج صبر المخاطبين في الصبر ، ويندرجون هم في الصابرين . ونحوه: ) فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ( ) وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ( ولما خير المخاطبون في المعاقبة والصبر عنها عزم على الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) في الذي هو خير وهو الصبر ، فأمر هو وحده بالصبر . ومعنى بالله: بتوفيقه وتيسيره وإرادته . والضمير في عليهم يعود على الكفار ، وكذلك في يمكرون كما قال: ) فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( وقيل: يعود على القتلى الممثل بهم حمزة ، ومن مثل به يوم أحد . وقرأ الجمهور: في ضيق بفتح الضاد . وقرأ ابن كثير: بكسرها ، ورويت عن نافع ، ولا يصح عنه ، وهما مصدران كالقيل والقول عند بعض اللغويين . وقال أبو عبيدة: بفتح الضاد مخفف من ضيق أي: ولا تك في أمر ضيق كلين في لين . وقال أبو علي: الصواب أن يكون الضيق لغة في المصدر ، لأنه إنْ كان مخففًا من ضيق لزم أن تقام الصفة مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف ، وليس هذا موضع ذلك ، والصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من نفس الصفة كما تقول: رأيت ضاحكًا ، فإنما تخصص الإنسان . ولو قلت: رأيت باردًا لم يحسن ، وببارد مثل سيبويه وضيق لا يخصص الموصوف . وقال ابن عباس ، وابن زيد: إنّ ما في هذه الآيات من الأمر بالصبر منسوخ ، ومعنى المعية هنا بالنصرة والتأييد والإعانة