فهرس الكتاب
"صفحة رقم 59"
يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه انتهى .
( وَحَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ( وهذا أيضًا من تكريمهم . قال ابن عباس: في البر على الخيل والبغال والحمير والإبل ، وفي البحر على السفن . وقال غيره: على أكباد رطبة وأعواد يابسة . ) وَالطَّيّبَاتُ ( كما تقدم الحلال أو المستلذ ولا يتسع غيره من الحيوان في الرزق اتساعه لأنه يكتسب المال ويلبس الثياب ويأكل المركب من الأطعمة بخلاف الحيوان ، فإنه لا يكتسب ولا يلبس ولا يأكل غالبًا إلا لحمًا نيئًا وطعامًا غير مركب ، والظاهر أن كثيرًا باق على حقيقته ، فقالت طائفة: فضلوا على الخلائق كلهم غير جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأشباههم وهذا عن ابن عباس . وعنه إن الإنسان ليس أفضل من الملك وهو اختيار الزجّاج . وقال ابن عطية: والحيوان والجن هو الكثير المفضول والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول . وقالت فرقة: الآية تقضي بفضل الملائكة على الإنس من حيث هم المستثنون ، وقد قال تعالى ) وَلاَ الْمَلَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ( وهذا غير لازم من الآية ، بل التفضيل بين الإنس والجن لم تعن له الآية بل يحتمل أن الملائكة أفضل ويحتمل التساوي ، وإنما يصح تفضيل الملائكة من مواضع أخر من الشرع انتهى .
وقال الزمخشري: )عَلَى كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا ( هو ما سوى الملائكة عليهم الصلاة والسلام ، وحسب بني آدم ) تَفْضِيلًا ( أن ترفع عليهم الملائكة وهم هم ومنزلتهم عند الله منزلتهم ، والعجب من المجبرة كيف عكسوا في كل شيء وكابروا حتى جسرتهم المكابرة على العظيمة التي هي تفضيل الإنسان على الملك ، ثم ذكر تشنيعًا أقذع فيه يوقف عليه من كتابه . وقيل: ) وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ ( بالغلبة والاستيلاء . وقيل: بالثواب والجزاء يوم القيامة ، وعلى هذين القولين لم تتعرض الآية للتفضيل المختلف فيه بين الإنس والملائكة . وقيل: المراد بكثير مجازه وهو إطلاقه على الجميع ، والعرب تفعل ذلك وهو القول لا ينبغي أن يقال هنا لأنك لو جعلت جميعًا كان بكثير ، فقلت على جميع ممن خلقنا لكان نائيًا عن الفصاحة ، ولا يليق أن يحمل كلام الله تعالى الذي هو أفصح الكلام عليه ، ولأبي عبد الله الرازي كلام في تكريم ابن آدم وتفضيله مستمد من كلام الذين يسمونهم حكماء يوقف عليه في تفسيره إذ هو جار على غير طريقة العرب في كلامها .
الإسراء: ( 71 ) يوم ندعوا كل . . . . .
ولما ذكر تعالى أنواعًا من كرامات الإنسان في الدنيا ذكر شيئًا من أحوال الآخرة فقال: ) يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ( واختلفوا في العامل في ) يَوْمٍ ). فقيل: العامل فيه ما دل عليه قوله متى هو . وقيل: فتستجيبون . وقيل: هو بدل من يوم يدعوكم وهذه أقوال في غاية الضعف ، ولولا أنهم ذكروها لضربت عن ذكرها صفحًا وهو في هذه الأقوال ظرف . وقال الحوفي وابن عطية انتصب على الظرف والعامل فيه اذكر وعلى تقدير اذكر لا يكون ظرفًا بل هو مفعول . وقال ابن عطية أيضًا بعد قوله هو ظرف: والعامل فيه أذكر أو فعل يدل عليه قوله ) وَلاَ يُظْلَمُونَ ( ، وحكاه أبو البقاء وقدره ) وَلاَ يُظْلَمُونَ ( يوم ندعو . وقال ابن عطية أيضًا: ويصح أن يعمل فيه ) وَفَضَّلْنَاهُمْ ( وذلك أن فضل البشر يوم القيامة على سائر الحيوان بيِّن لأنهم المنعمون المكلفون المحاسبون الذين لهم القدر إلاّ أن هذا يرده أن الكفار يومئذ أخسر من كل حيوان ، إذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا . وقال ابن عطية أيضًا: ويصح أن يكون ) يَوْمٍ ( منصوبًا على البناء لما أضيف إلى غير متمكن ، ويكون موضعه رفعًا بالابتداء ، والخبر في التقسيم الذي أتى بعد في قوله ) فَمَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ ( إلى قوله ) وَمَن كَانَ ( انتهى . وقوله منصوبًا على البناء كل ينبغي أن يقول مبنيًا على الفتح ، وقوله: لما أضيف إلى غير متمكن ليس بجيد لأن الذي ينقسم إلى متمكن وغير متمكن هو الاسم لا الفعل ، وهذا أضيف إلى فعل مضارع ومذهب البصريين أنه إذا أضيف إلى فعل مضارع معرب لا يجوز بناؤه ، وهذا الوجه الذي ذكره هو على رأي الكوفيين . وأما قوله: والخبر في التقسيم عار من رابط لهذه الجملة التقسيمية بالمبتدأ لا أن قدر محذوفًا ، فقد يمكن أي ممن ) أُوتِىَ كِتَابَهُ ( فيه ) بِيَمِينِهِ( وهو بعد ذلك التخريج تخريج متكلف .
وقال بعض النحاة: العامل فيه )وَفَضَّلْنَاهُمْ ( على تقدير ) وَفَضَّلْنَاهُمْ ( بالثواب ، وهذا القول قريب من قول ابن عطية الذي ذكرناه عنه قبل . وقال الزجاج: هو ظرف لقوله ثم لا تجد . وقال الفراء: هو معمول لقوله نعيدكم