فهرس الكتاب
"صفحة رقم 129"
عن اتخاذ ذريته أولياء من دون الله تبعيدًا عن المعاصي ، وعن امتثال ما يوسوس به . وتقدم الكلام في استثناء إبليس أهو استثناء متصل أم منقطع ، وهل هو من الملائكة أم ليس منهم في أوائل سورة البقرة فأغني عن إعادته ، والظاهر من هذه الآية أنه ليس من الملائكة وإنما هو من الجن . قال قتادة: الجن حي من الملائكة خلقوا من نار السموم . وقال شهر بن حوشب: هو من الجن الذين ظفرت بهم الملائكة فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء . وقال الحسن وغيره: هو أول الجن وبداءتهم كآدم في الإنس . وقالت فرقة: كان إبليس وقبيله جنًا لكن الشياطين اليوم من ذريته فهو كنوح في الإنس . وقال الزمخشري: كان من الجن كلام مستأنف جارٍ مجري التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلًا قال: ما له لم يسجد فقيل ) كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ( والفاء للتسبيب أيضًا جعل كونه من الجن سببًا في فسقه ، يعني إنه لو كان ملكًا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله لأن الملائكة معصومون ألبتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس كما قال: ) لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ( وهذا الكلام المعترض تعمد من الله عز وعلا لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم ، فما أبعد البون بين ما تعمده الله وبين قول من ضادّه فزعم أنه كان ملكًا ورئيسًا على الملائكة فعصي فلعن ومسخ شيطانًا ، ثم وكه على ابن عباس انتهى .
والظاهر أن معنى )فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ( فخرج عما أمره ربه به من السجود . قال رؤبة: يهوين في نجد وغورًا غائرا
فواسقًا عن قصدها حوائرًا
وقيل: )فَفَسَقَ ( صار فاسقًا كافرًا بسبب أمر ربه الذي هو قوله ) اسْجُدُواْ لاِدَمَ ( حيث لم يمتثله . قيل: ويحتمل أن يكون المعنى ) فَفَسَقَ ( فأمر ربه أي بمشيئته وقضائه لأن المشيئة يطلق عليها أمر كما تقول: فعلت ذلك عن أمرك أي بحسب مرادك ، والهمزة في ) أَفَتَتَّخِذُونَهُ ( للتوبيخ والإنكار والتعجب أي أبعد ما ظهر منه من الفسق والعصيان تتخذونه وذريته أولياء من دوني مع ثبوت عداوته لكم تتخذونه وليًا . وقرأ عبيد الله بن زياد على المنبر وهو يخطب ) أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ ( بفتح الذال ، والظاهر أن لإبليس ذرية وقال بذلك قوم منهم قتادة والشعبي وابن زيد والضحاك والأعمش . قال قتادة: ينكح وينسل كما بنسل بنو آدم . وقال الشعبي: لا يكون ذرية إلاّ من زوجة . وقال ابن زيد: إن الله قال لإبليس إني لا أخلق لآدم ذرية إلاّ ذرأت لك مثلها ، فليس يولد لولد آدم ولد إلاّ ولد معه شيطان يقرن . وقيل للرسول( صلى الله عليه وسلم ) ): ألك شيطان ؟ قال: ( نعم ألا إن الله تعالى أعانني عليه فأسلم ) . وسمي الضحاك وغيره من ذرية إبليس جماعة الله أعلم بصحة ذلك ، وكذلك ذكروا كيفيات في وطئه وإنساله الله أعلم بذلك ، وذهب قوم إلى أنه ليس لإبليس ولد وإنما الشياطين هم الذين يعينونه على بلوغ مقاصده ، والمخصوص بالذم محذوف أي ) بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ( من الله إبليس وذريته وقال ) لّلظَّالِمِينَ ( لأنهم اعتاضوا من الحق بالباطل وجعلوا مكان ولايتهم إبليس وذريته ، وهذا نفس الظالم لأنه وضع الشيء في غيره موضعه .
الكهف: ( 51 ) ما أشهدتهم خلق . . . . .
وقرأ الجمهور ) مَّا أَشْهَدتُّهُمْ ( بتاء المتكلم . وقرأ أبو جعفر وشيبة والسختياني وعون العقيلي وابن مقسم: ما أشهدناهم بنون العظمة ، والظاهر عود ضمير المفعول في ) أَشْهَدتُّهُمْ ( على إبليس وذريته أي لم أشاورهم في ) خُلِقَ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ( بل خلقتهم على ما أردت ، ولهذا قال ) وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُدًا ). وقال الزمخشري: يعني إنكم اتخذتم شركاء لي في العبادة وإنما كانوا يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية فنفي