فهرس الكتاب

الصفحة 3249 من 4224

"صفحة رقم 63"

الله . وقيل: وقف مكانًا غير بعيد من سليمان ، وكأنه فيما روي ، حين نزل سليمان حلق الهدهد ، فرأى هدهدًا ، فانحط عليه ووصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء ، وذكر له صاحبه ملك بلقيس وعظم منه ، وذهب معه لينظر ، فما رجع إلا بعد العصر . وقيل: الضمير في فمكث لسليمان . وقيل: يحتمل أن يكون لسليمان وللهدهد ، وفي الكلام حذف ، فإن كان غير بعيد زمانًا ، فالتقدير: فجاء سليمان ، فسأله: ما غيبك ؟ فقال: أحطت ؛ وإن كان مكانًا ، فالتقدير: فجاء فوقف مكانًا قريبًا من سليمان ، فسأله: ما غيبك ؟ وكان فيما روي قد علم بما أقسم عليه سليمان ، فبادر إلى جوابه بما يسكن غيظه عليه ، وهو أن غيبته كانت لأمر عظيم عرض له ، فقال: ) أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ( ، وفي هذا جسارة من لديه علم ، لم يكن عند غيره ، وتبجحه بذلك ، وإبهام حتى تتشوف النفس إلى معرفة ذلك المهم ما هو . ومعنى الإحاطة هنا: أنه علم علمًا ليس عند نبي الله سليمان .

قال الزمخشري: ألهم الله الهدهد ، فكافح سليمان بهذا الكلام ، على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ، ابتلاء له في علمه ، وتنبيهًا على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علمًا بما لم يحط به سليمان ، لتتحاقر إليه نفسه ويصغر إليه علمه ، ويكون لطفًا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء ، وأعظم بها فتنة ، والإحاطة بالشيء علمًا أن يعلم من جميع جهاته ، لا يخفى منه معلوم ، قالوا: وفيه دليل على بطلان قول الرافضة إن الإمام لا يخفى عليه شيء ، ولا يكون في زمانه أعلم منه . انتهى .

ولما أبهم في قوله: )بِمَا لَمْ تُحِطْ ( ، انتقل إلى ما هو أقل منه إبهامًا ، وهو قوله: ) وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( ، إذ فيه إخبار بالمكان الذي جاء منه ، وأنه له علم بخبر مستيقن له . وقرأ الجمهور: من سبأ ، مصروفًا ، هذا وفي: ) لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ ( ، وابن كثير ، وأبو عمرو: بفتح الهمزة ، غير مصروف فيهما ، وقنبل من طريق النبال: بإسكانها فيهما . فمن صرفه جعله اسمًا للحي أو الموضع أو للأب ، كما في حديث فروة بن مسيك وغيره ، عن رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ): ( أنه اسم رجل ولد عشرة من الولد ، تيامن منهم ستة ، وتشاءم أربعة . والستة: حمير ، وكندة ، والأزد ، وأشعر ، وخثعم ، وبجيلة ؛ والأربعة: لخم ، وجذام ، وعاملة ، وغسان . وكان سبأ رجلًا من قحطان اسمه عبد شمس . وقيل: عامر ، وسمي سبأ لأنه أول من سبأ ، ومن منعه الصرف جعله اسمًا للقبيلة أو البقعة ، وأنشدوا على الصرف: الواردون وتيم في ذرى سبأ

قد عض أعناقهم جلد الجواميس

ومن سكن الهمزة ، فلتوالي الحركات فيمن منع الصرف ، وإجراء للوصل مجرى الوقف . وقال مكي: الإسكان في الوصل بعيد غير مختار ولا قوي . انتهى . وقرأ الأعمش: من سبأ ، بكسر الهمزة من غير تنوين ، حكاها عنه ابن خالويه وابن عطية ، ويبعد توجيهها . وقرأ ابن كثير في رواية: من سبأ ، بتنوين الباء على وزن رحى ، جعله مقصورًا مصروفًا . وذكر أبو معاذ أنه قرأ من سبأ: بسكون الباء وهمزة مفتوحة غير منونة ، بناه على فعلى ، فامتنع الصرف للتأنيث اللازم . وروى ابن حبيب ، عن اليزيدي: من سبأ ، بألف ساكنة ، كقولهم: تفرقوا أيدي سبا . وقرأت فرقة: بنبأ ، بألف عوض الهمزة ، وكأنها قراءة من قرأ: لسبا ، بالألف ، لتتوازن الكلمتان ، كما توازنت في قراءة من قرأهما بالهمز المكسور والتنوين . وقال في التحرير: إن هذا النوع في علم البديع يسمى بالترديد ، وفي كتاب التفريع بفنون البديع . إن الترديد رد أعجاز البيوت على صدورها ، أو رد كلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني ، ويسمى أيضًا التصدير ، فمثال الأول قوله: سريع إلى ابن العم يجبر كسره

وليس إلى داعي الخنا بسريع

ومثال الثاني قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت