فهرس الكتاب
"صفحة رقم 69"
وَهُمْ صَاغِرُونَ ).
في الكلام حذف تقديره: فأخذ الهدهد الكتاب وذهب به إلى بلقيس وقومها وألقاه إليهم ، كما أمره سليمان . فقيل: أخذه بمنقاره . وقيل: علقه في عنقه ، فجاءها حتى وقف على رأسها ، وحولها جنودها ، فرفرف بجناحيه ، والناس ينظرون إليه ، حتى رفعت رأسها ، فألقى الكتاب في حجرها . وقيل: كانت في قصرها قد غلقت الأبواب واستلقت على فراشها نائمة ، فألقي الكتاب على نحرها . وقيل: كانت في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم ، فإذا نظرت إليها سجدت ، فجاء الهدهد فسدها بجناحه ، فرأت ذلك وقامت إليه ، فألقى الكتاب إليها ، وكانت قارئة عربية من قوم تبع . وقيل: ألقاه من كوة وتوارى فيها .
فأخذت الكتاب ونادت أشراف قومها: ) قَالَتْ ياأَيُّهَا أَيُّهَا الْمَلاَ ). وكرم الكتاب لطبعه بالخاتم ، وفي الحديث: ( كرم الكتاب ختمه ) أو لكونه من سليمان ، وكانت عالمة بملكه ، أو لكون الرسول به الطير ، فظنته كتابًا سماويًا ؛ أو لكونه تضمن لطفًا ولينًا ، لا سبًا ولا ما يغير النفس ، أو لبداءته باسم الله ، أقوال . ثم أخبرتهم فقالت: ) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ ( ، كأنها قيل لها: ممن الكتاب وما هو ؟ فقالت: ) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ ( ، وإنه كيت وكيت . أبهمت أولًا ثم فسرت ، وفي بنائها ألقي للمفعول دلالة على جهلها بالملقي ، حيث حذفته ، أو تحقيرًا له ، حيث كان طائرًا ، إن كانت شاهدته . والظاهر أن بداءة الكتاب من سليمان باسم الله الرحمن الرحيم ، إلى آخر ما قص الله منه خاصة ، فاحتمل أن يكونن من سليمان مقدمًا على بسم الله ، وهو الظاهر ، وقدمه لاحتمال أن يندر منها ما لا يليق ، إذ كانت كافرة ، فيكون اسمه وقاية لاسم الله تعالى . أو كان عنوانًا في ظاهر الكتاب ، وباطنه فيه بسم الله إلى آخره . واحتمل أن يكون مؤخرًا في الكتابة عن بسم الله ، وإن ابتدأ الكتاب باسم الله ، وحين قرأته عليهم بعد قراءتها له في نفسها ، قدمته في الحكاية ، وإن لم يكن مقدمًا في الكتابة .
وقال أبو بكر بن العربي: كانت رسل المتقدمين إذا كتبوا كتابًا بدؤوا بأنفسهم ، من فلان إلى فلان ، وكذلك جاءت الإشارة . وعن أنس: ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وكان أصحابه إذا كتبوا إليه كتابًا بدؤوا بأنفسهم . وقال أبو الليث في ( كتاب البستان ) له: ولو بدأ بالمكتوب إليه جاز ، لأن الأمة قد أجمعت عليه وفعلوه . وقرأ الجمهور: إنه من سليمان ، وإنه بكسر الهمزة فيهما . وقرأ عبد الله: وإنه من سليمان ، بزيادة واو عطفًا على ) إِنّى أُلْقِىَ ). وقرأ عكرمة ، وابن أبي عبلة: بفتحهما ، وخرج على البدل من كتاب ، أي ألقى إليّ أنه ، أو على أن يكون التقدير لأنه كأنها . عللت كرم الكتاب لكونه من سليمان وتصديره ببسم الله . وقرأ أبي: أن من سليمان وأن بسم الله ، بفتح الهمزة ونون ساكنة ، فخرج على أن أن هي المفسرة ، لأنه قد تقدمت جملة فيها معنى القول ، وعلى أنها أن المخففة من الثقيلة ، وحذفت الهاء وبسم الله الرحمن الرحيم ، استفتاح شريف بارع المعنى مبدوء به في الكتب في كل لغة وكل شرع . وأن في قوله: ) أَن لا تَعْلُواْ ( ، قيل: في موضع رفع على البدل من كتاب . وقيل: في موضع نصب على معنى بأن لا تعلوا ، وعلى هذين التقديرين تكون أن ناصبة للفعل . وقال الزمخشري: وأن في ) أَن لا تَعْلُواْ عَلَىَّ ( مفسرة ، فعلى هذا تكون لا في لا تعلوا للنهي ، وهو حسن لمشاكلة عطف الأمر عليه . وجوز أبو البقاء أن يكون التقدير هو أن لا تعلوا ، فيكون خبر مبتدأ محذوف . ومعنى لا تعلوا: لا تتكبروا ، كما يفعل الملوك . وقرأ ابن عباس ، في رواية وهب بن منبه والأشهب العقيلي: أن لا تعلوا ، بالغين المعجمة ، أي ألا تتجاوزوا الحد ، وهو من الغلو . والظاهر أنه طلب منهم أن يأتوه وقد أسلموا ، وتركوا الكفر وعبادة الشمس . وقيل: معناه مذعنين مستسلمين من الانقياد والدخول في الطاعة