فهرس الكتاب

الصفحة 3256 من 4224

"صفحة رقم 70"

وما كتبه سليمان في غاية الإيجاز والبلاغة ، وكذلك كتب الأنبياء .

والظاهر أن الكتاب هو ما نص الله عليه فقط . واحتمل أن يكون مكتوبًا بالعربي ، إذ الملوك يكون عندهم من يترجم بعدة ألسن ، فكتب بالخط العربي واللفظ العربي ، لأنها كانت عربية من نسل تبع بن شراحيل الحميري . واحتمل أن يكون باللسان الذي كان سليمان يتكلم به ، وكان عندها من يترجم لها ، إذ كانت هي عارفة بذلك اللسان . وروي أن نسخة الكتاب من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فلا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين . وكانت كتب الأنبياء جملًا لا يطيلون ولا يكثرون ، وطبع الكتاب بالمسك ، وختمه بخاتمة . وروي أنه لم يكتب أحد بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان ، ولما قرأت على الملأ الكتاب ، ورأت ما فيه من الانتقال إلى سليمان ، استشارتهم في أمرها . قال قتادة: وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر ، وعنه: وثلاثة عشر ، كل رجل منهم على عشرة آلاف ، وكانت بأرض مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام ، وذكر عن عسكرها ما هو أعظم وأكثر من هذا ، والله أعلم بذلك . وتقدم الكلام في الفتوى في سورة يوسف ، والمراد هنا: أشيروا عليّ بما عندكم في ما حدث لها من الرأي السديد والتدبير . وقصدت بإشارتهم: استطلاع آرائهم واستعطافهم وتطييب أنفسهم ليمالئوها ويقوموا .

( مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا (: أي مبرمة وفاصلة أمرًا ، ( حَتَّى تَشْهَدُونِ(: أي تحضروا عندي ، فلا أستبد بأمر ، بل تكونون حاضرين معي . وفي قراءة عبد الله: ما كنت قاضية أمرًا ، أي لا أبت إلا وأنتم حاضرون معي . وما كنت قاطعة أمرًا ، عام في كل أمر ، أي إذا كانت عادتي هذه معكم ، فكيف لا أستشيركم في هذه الحادثة الكبرى التي هي الخروج من الملك والانسلاك في طاعة غيري والصيرورة تبعًا ؟ فراجعها الملأ بما أقرعينها من قولهم: إنهم ) أُوْلُواْ قُوَّةٍ ( ، أي قوة بالعدد والعدد ، ( وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ(: أي أصحاب شجاعة ونجدة . أظهروا القوة العرضية ، ثم القوة الذاتية ، أي نحن متهيؤون للحرب ودفع هذا الحادث . ثم قالوا: ) وَالاْمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ( ، وذلك من حسن محاورتهم ، إذ وكلوا الأمر إليها ، وهو دليل على الطاعة المفرطة ، أي نحن ذكرنا ما نحن عليه ، ومع ذلك فالأمر موكول إليك ، كأنهم أشاروا أولًا عليه بالحرب ، أو أرادوا: نحن أبناء الحرب لا أبناء الاستشارة ، وأنت ذات الرأي والتدبير الحسن . فانظري ماذا تأمرين به ، نرجع إليك ونتبع رأيك ، وفانظري من التأمل والتفكر ، وماذا هو المفعول الثاني لتأمرين ، والمفعول الأول محذوف لفهم المعنى ، أي تأمريننا . والجملة معلق عنها انظري ، فهي في موضع مفعول لا نظري بعد إسقاط الحرف من اسم الاستفهام .

ولما وصل إليها كتاب سليمان ، لا على يد رجل بل على طائر ، استعظمت ملك سليمان ، وعلمت أن من سخر له الطير حتى يرسله بأمر خاص إلى شخص خاص مغلق عليه الأبواب ، غير ممتنع عليه تدويخ الأرض وملوكها ، فأخبرت بحال الملوك ومالت إلى المهاداة والصلح فقالت: )إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً (: أي تغلبوا عليها ، ( أَفْسَدُوهَا(: أي خربوها بالهدم والحرق والقطع ، وأذلوا أعزة أهلها بالقتل والنهب والأسر ، وقولها فيه تزييف لآرائهم في الحرب ، وخوف عليهم وحياطة لهم ، واستعظام لملك سليمان . والظاهر أن ) وَكَذالِكَ يَفْعَلُونَ ( هو من قولها ، أي عادة الملوك المستمرة تلك من الإفساد والتذليل ، وكانت ناشئة في بيت الملك ، فرأت ذلك وسمعت . ذكرت ذلك تأكيدًا لما ذكرت من حال الملوك . وقيل: هو من كلام الله إعلامًا لرسوله( صلى الله عليه وسلم ) ) وأمته ، وتصديقًا لإخبارها عن الملوك إذا تغلبوا .

ولما كانت عادة الملوك قبول الهدايا ، وأن قبولها يدل على الرضا والإلفة ، قالت: ) وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ ( ، أي إلى سليمان ومن معه ، رسلًا بهدية ، وجاء لفظ الهدية مبهمًا . وقد ذكروا في تعيينها أقوالًا مضطربة متعارضة ، وذكروا من حالها ومن حال سليمان حين وصلت إليه الهدية ، وكلامه مع رسولها ما الله أعلم به . و ) فَنَاظِرَةٌ ( معطوف على ) مُرْسِلَةٌ ). و ) بِمَ ( متعلق بيرجع . ووقع للحوفي أن البائ متعلقة بناظرة ، وهو وهم فاحش ، والنظر هنا معلق أيضًا . والجملة في موضع مفعول به ، وفيه دلالة على أنها لم تثق بقبول الهدية ، بل جوزت الرد ، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان . والهدية: اسم لما يهدي ، كالعطية هي اسم لما يعطى . وروي أنها قالت لقومها: إن كان ملكًا دنياويًا ، أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك ، وإن كان نبيًا ، لم يرضه المال وينبغي أن نتبعه على دينه ، وفي الكلام حذف تقديره: فأرسلت الهدية ، فلما جاء ، أي الرسول سليمان ، والمراد بالرسول الجنس لا حقيقة المفرد ، وكذلك الضمير في ارجع والرسول يقع على الجمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت