فهرس الكتاب
"صفحة رقم 73"
سليمان ، وكان صديقًا عالمًا قاله الجمهور . أو اسطوام ، أو هود ، أو مليخا ، قاله قتادة . أو اسطورس ، أو الخضر عليه السلام ، قاله ابن لهيعة . وقالت جماعة: هو ضبة بن اد جد بني ضبة ، من العرب ، وكان فاضلًا يخدم سليمان ، كان على قطعة من خيله ، وهذه أقوال مضطربة ، وقد أبهم الله اسمه ، فكان ينبغي أن لا يذكر اسمه حتى يخبر به نبي . ومن أغرب الأقوال أنه سليمان عليه السلام ، كأنه يقول لنفسه: ) قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَاْ ءاتِيكَ ( ، أو يكون خاطب بذلك العفريت ، حكى هذا القول الزمخشري وغيره ، كأنه استبطأ ما قال العفريت ، فقال له سليمان ذلك على تحقير العفريت . والكتاب: هو المنزل من عند الله ، أو اللوح المحفوظ ، قولان . والعلم الذي أوتيه ، قال: اسم الله الأعظم وهو: يا حي يا قيوم . وقيل: يا ذا الجلال والإكرام . وقيل بالعبرانية: أهيا شراهيا . وقال الحسن: الله ثم الرحمن . والظاهر أن ارتداد الطرف حقيقة ، وأنه أقصر في المدة من مدة العفريت ، ولذلك روي أن سليمان قال: أريد أسرع من ذلك حين أجابه العفريت ، ولما كان الناظر موصوفًا بإرسال البصر ، كما قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائدا
لقلبك يومًا أتعبتك المناظر
وصف برد الطرف ، ووصف الطرف بالارتداد . فالمعنى أنك ترسل طرفك ، فقبل أن ترده أتيتك به ، وصار بين يديك . فروي أن آصف قال لسليمان عليه السلام: مد عينيك حتى ينتهي طرفك ، فمد طرفه فنظر نحو اليمن ، فدعا آصف فغاب العرش في مكانه بمأرب ، ثم نبع عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله ، قبل أن يرد طرفه . وقال ابن جبير ، وقتادة: قبل أن يصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما ترى . وقال مجاهد: قبل أن تحتاج إلى التغميض ، أي مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض ، وذلك ارتداده . قال ابن عطية: وهذان القولان يقابلان قول من قال: إن القيام هو من مجلس الحكم ، ومن قال: إن القيام هو من الجلوس ، فيقول في ارتداد الطرف هو أن تطرف ، أي قبل أن تغمض عينيك وتفتحهما ، وذلك أن الثاني يعطي الأقصر في المدة ولا بد . انتهى . وقيل: طرفك مطروفك ، أي قبل أن يرجع إليك من تنظر إليه من منتهى بصرك ، وهذا هو قول ابن جبير وقتادة المتقدم ، لأن من يقع طرفك عليه هو مطروفك . وقال الماوردي: قبل أن ينقبض إليك طرفك بالموت ، فخبره أنه سيأتيه قبل موته ، وهذا تأويل بعيد ، بل المعنى آتيك به سريعًا . وقيل: ارتداد الطرف مجاز هنا ، وهو من باب مجاز التمثيل ، والمراد استقصار مدة الإتيان به ، كما تقول لصاحبك: افعل كذا في لحظة ، وفي ردة طرف ، وفي طرفة عين ، تريد به السرعة ، أي آتيك به في مدة أسرع من مدة العفريت .
( فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرًّا( عنده: في الكلام حذف تقديره: فدعا الله فأتاه به ، فلما رآعه: أي عرش بلقيس . قيل: نزل على سليمان من الهواء . وقيل: نبع من الأرض . وقيل: من تحت عرش سليمان ، وانتصب مستقرًا على الحال ، وعنده معمول له . والظرف إذا وقع في موضع الحال ، كان العامل فيه واجب الحذف . فقال ابن عطية: وظهر العامل في الظرف من قوله: ) مُسْتَقِرًّا( ، وهذا هو المقدر أبدًا في كل ظرف وقع في موضع الحال . وقال أبو البقاء: ومستقرًا ، أي ثابتًا غر متقلقل ، وليس بمعنى الحضور المطلق ، إذ لو كان كذلك لم يذكر . انتهى . فأخذ في مستقرًا أمرًا زائدًا على الاستقرار المطلق ، وهو كونه غير متقلقل ، حتى يكون مدلوله غير مدلول العندية ، وهو توجيه حسن لذكر العامل في الظرف الواقع حالًا ؛ وقد رد ذكر العامل في ما وقع خبرًا من الجار والمجرور التام في قول الشاعر: لك العزان مولاك عزوان يهن
فأنت لدى بحبوحة الهون كائن
)قَالَ هَاذَا مِن فَضْلِ رَبّى (: أي هذا الإتيان بعرشها ، وتحصيل ما أردت من ذلك ، هو من فضل ربي عليّ وإحسانه ، ثم علل