فهرس الكتاب

الصفحة 3345 من 4224

"صفحة رقم 159"

يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها ، وباطنها وحقيقتها أنها مجاز للآخرة ، يتزود إليها منها بالطاعة والأعمال الصالحة ؛ وهم الثانية توكيد لهم الأولى ، أو مبتدأ . وفي إظهارهم على أي الوجهين ، كانت تنبيه على غفلتهم التي صاروا ملتبسين بها ، لا ينفكون عنها . و ) فِى أَنفُسِهِمْ(: معمول ليتفكروا ، إما على تقدير مضاف ، أي في خلق أنفسهم ليخرجوا من الغفلة ، فيعلموا أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا فقط ، ويستدلوا بذلك على الخالق المخترع .

ثم أخبر عقب هذا بأن الحق هو السبب في خلق السموات والأرض ؛ وأما على أن يكون )فِى أَنفُسِهِمْ ( ظرفًا للفكرة في خلق السموات والأرض ، فيكون ) فِى أَنفُسِهِمْ ( توكيدًا لقوله: ) يَتَفَكَّرُونَ ( ، كما تقول: أبصر بعينك واسمع بأدنك . وقال الزمخشري: في هذا الوجه كأنه قال: أو لم يحدثوا التفكر في أنفسهم ؟ أي في قلوبهم الفارغة من الفكر . والفكر لا يكون إلا في القلوب ، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين ، كقولك: اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك . وقال أيضًا: يكون صلة المتفكر ، كقولك: تفكر في الإمر وأجال فكره . و ) مَّا خَلَقَ اللَّهُ ( متعلق بالقول المحذوف ، معناه: أو لم يتفكروا ، فيقولوا هذا القول ؟ وقيل معناه: فيعلموا ، لأن في الكلام دليلًا عليه . انتهى . والدليل هو قوله: ) أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ ). وقيل: ) أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ ( متصل بما بعده ، ومثله: ثم ) يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ ( ، ومثله: ) وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ ( ، فيكون في بمعنى الباء ، ثم ) يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن ( ، كأنه قال: أو لم يتفكروا بقلوبهم فيعلموا . انتهى . ويجوز أن يكون تفكروا هنا معلقة ، ومتعلقها الجملة من قوله: ) مَا خَلَقَ ( إلى آخرها . و ) فِى أَنفُسِهِمْ (: ظرف على سبيل التأكيد ، لأن الفكر لا يكون إلا في النفس ، كما أن الكتابة لا تكون إلا باليد . و ) بِالْحَقّ (: في موضع الحال ، أي وهي ملتبسة بالحق مقترنة به ، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها أن تنتهي إليه وهو: قيام الساعة ، ووقت الحساب والثواب والعقاب . ألا ترى إلى قوله: ) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ). كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثًا ؟ والمراد بلقاء ربهم: الأجل المسمى .

وقال ابن عطية: ) إِلاَّ بِالْحَقّ ( ، أي بسبب المنافع التي هي حق واجب ، يريد من الدلالة عليه والعبادة له دون فتور ، والانتصار للعبرة ومنافع الإرفاق وغير ذلك . ) وَأَجَلٌ( عطف على الحق ، أي وبأجل مسمى ، وهو يوم القيامة . ففي الآية إشارة إلى البعث والنشور وفساد بنية هذا العالم . ثم أخبر عن كثير من الناس أنهم كفروا بذلك المعنى ، فعبر عنها بلقاء الله ، لأن لقاء الله هو عظيم الأمر ، فيه النجاة والهلكة . انتهى .

وقال أبو عبد الله الرازي: قدم هنا دلائل الأنفس على دلائل الآفاق ، وفي: )سَنُرِيهِمْ ءايَاتِنَا فِى الاْفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ ( دلائل الآفاق على دلائل الأنفس ، وحكمة ذلك أن المفيد يذكر الفائدة على وجه يختارها ، فإن فهمت ، وإلا انتقل إلى الأبين . والمستفيد يفهم أولًا الأبين ، ثم يرتقي إلى الأخفى . وفي ) أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ ( بفعل مسند إلى السامع ، فبدأ بما يفهم أولًا ، ثم ارتقى إليه ثانيًا . وفي ) سَنُرِيهِمْ ( أسند إلى المفيد ، فذكر أولًا ، الآفاق ، فإن لم يفهموا ، فالأنفس ، إذ لا ذهول للإنسان عن دلائلها ، بخلاف دلائل الآفاق ، لأنه قد يذهل عنها ، وهذا مراعي في ) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا ( الآية . بدأ بأحوال الأنفس ، ثم بدلائل الآفاق . وقال أيضًا هنا: ) وَإِنَّ كَثِيرًا ( ، ( وَقَبْلَ ( ، ( وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ( ، وذلك أن هنا ذكر كثيرًا بعد ذكر الدلائل الواضحة ، وهما: ) أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ ( ، و ) مَّا خَلَقَ اللَّهُ ). والإيمان بعد الدلائل أكثر من الإيمان قبلها ، فبعد ذكر الدليل ، لا بد أن يؤمن من ذلك الأكثر جمع ، فلا يبقى الأكثر . انتهى ، وفيه تلخيص . ولا يتم كلامه الأول إلا إذا جعل ) فِى أَنفُسِهِمْ ( محلًا للتفكر ، وجعل ) مَا خَلَقَ ( أيضًا محلًا ثانيًا .

( أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى الاْرْضِ(: هذا تقرير توبيخ ، أي قد ساروا ونظروا إلى ما حمل ممن كان قبلهم من مكذبي الرسل ، ووصف حالهم من الشدة وإثارة الأرض وعمارتها ، وأنهم أقوى منهم في ذلك . قال مجاهدًا: ) وَأَثَارُواْ الاْرْضَ (: حرثوها . وقال الفراء: قلبوها للزراعة . وقال غيرهما: قلبوا وجه الأرض لاستنباط المياه ، واستخراج المعادن ، وإلقاء البذر فيها للزراعة ؛ والإثارة: تحريك الشيء حتى يرتفع ترابه . وقرأ أبو جعفر: وآثاروا الأرض ، بمدة بعد الهمزة . وقال ابن مجاهد: ليس بشيء ، وخرجه أبو الفتح على الإشباع كقوله:

ومن ذم الزمان بمنتزاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت