"صفحة رقم 194"
ثم تعرج الملائكة ، بزيادة الملائكة ، ولعله تفسير منه لسقوطه في سواد المصحف .
( ذالِكَ (: أي ذلك الموصوف بالخلق والاستواء والتدبير ، ( عَالِمُ الْغَيْبِ (: والغيب الآخرة ، ( وَالشَّهَادَةِ(: الدنيا ، أو الغيب: ما غاب عن المخلوقين ، والشهادة: ما شوهد من الأشياء ، قولان . وقرأ زيد بن علي: ) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (: بخفض الأوصاف الثلاثة ؛ وأبو زيد النحوي: بخفض ) الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ). وقرأ الجمهور: برفع الثلاثة على أنها أخبار لذلك ، أو الأول خبر والاثنان وصفان ، ووجه الخفض أن يكون ذلك إشارة إلى الأمر ، وهو فاعل بيعرج ، أي ثم يعرج إليه ذلك ، أي الأمر المدبر ، ويكون عالم وما بعده بدلًا من الضمير في إليه . وفي قراءة ابن زيد يكون ذلك عالم مبتدأ وخبر ، والعزيز الرحيم بالخفض بدل من الضمير في إليه . وقرأ الجمهور: خلقه ، بفتح اللام ، فعلًا ماضيًا صفة لكل أو لشيء . وقرأ العربيان ، وابن كثير: بسكون اللام ، والظاهر أنه بدل اشتمال ، والمبدل منه كل ، أي أحسن خلق كل شيء ، فالضمير في خلقه عائد على كل . وقيل: الضمير في خلقه عائد على الله ، فيكون انتصابه نصب المصدر المؤكد لمضمون الجملة ، كقوله: ) صِبْغَةَ اللَّهِ ( ، وهو قول سيبويه ، أي خلقه خلقًا . ورجح على بدل الاشتمال بأن فيه إضافة المصدر إلى الفاعل ، وهو أكثر من إضافته إلى المفعول ، وبأنه أبلغ في الامتنان ، لأنه إذا قال: ) أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء ( ، كأن أبلغ من: أحسن خلق كل شيء ، لأنه قد يحسن الخلق ، وهو المجاز له ، ولا يكون الشيء في نفسه حسنًا . فإذا قال: ) أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء( ، اقتضى أن كل شيء خلقه حسن ، بمعنى: أنه وضع كل شيء في موضعه . انتهى .
وقيل: في هذا الوجه ، وهو عود الضمير في خلقه على الله ، يكون بدلًا من كل شيء ، بدل شيء من شيء ، وهما لعين واحدة . ومعنى )أَحْسَنُ (: حسن ، لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما تقضيه الحكمة . فالمخلوقات كلها حسنة ، وإن تفاوتت في الحسن ، وحسنها من جهة المقصد الذي أريد بها . ولهذا قال ابن عباس: ليست القردة بحسنة ، ولكنها متقنة محكمة . وعلى قراءة من سكن لام خلقه ، قال مجاهد: أعطى كل جنس شكله ، والمعنى: خلق كل شيء على شكله الذي خصه به . وقال الفراء: ألهم كل شيء خلقه فيما يحتاجون إليه ، كأنه أعلمهم ذلك ، فيكون كقوله: ) أَعْطَى كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ). وقرأ الجمهور: بدأ بالهمز ؛ والزهري: بالألف بدلًا من الهمزة ، وليس بقياس أن يقول في هدأ: هدا ، بإبدال الهمزة ألفًا ، بل قياس هذه الهمزة التسهيل بين بين ؛ على أن الأخفش حكى في قرأت: قريت ونظائره . وقيل: وهي لغية ؛ والأنصار تقول في بدأ: بدى ، بكسر عين الكلمة وياء بعدها ، وهي لغة لطي . يقولون في فعل هذا نحو بقى: بقأ ، فاحتمل أن تكون قراءة الزهري على هذه اللغة أصله بدى ، ثم صار بدأ ، أو على لغة الأنصار . وقال ابن رواحة: باسم الإله وبه بدينا
ولو عبدنا غيره شقينا
)وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ (: هو آدم ، عليه الصلاة والسلام . ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ (: أي ذريته . نسل من الشيء: انفصل منه . ) ثُمَّ سَوَّاهُ (: قومه وأضاف الروح إلى ذاته دلالة على أنه خلق عجيب ، لا يعلم حقيقته إلا هو ، وهي إضافة ملك إلى مالك وخلق إلى خالق تعالى . ) وَجَعَلَ لَكُمُ (: التفات ، إذ هو خروج من مفرد غائب إلى جمع مخاطب ، وتعديد للنعم ، وهي شاملة لآدم ؛ كما أن التسوية ونفخ الروح شامل له ولذريته . والظاهر أن ) وَقَالُواْ ( ، الضمير لجمع ، وقيل: القائل أبيّ بن خلف ، وأسند إلى الجمع لرضاهم به ، والناصب للظرف محذوف يدل عليه ) أئنا ( وما بعدها تقديره انبعث . ) أَءذَا ضَلَلْنَا ( ، ومن قرأ إذا بغير استفهام ، فجواب إذا محذوف ، أي: إذا ضللنا في الأرض نبعث ، ويكون إخبارًا منهم على طريق