"صفحة رقم 213"
التذكير والتأنيث ، والجمع كالمصدر . وقال ابن عباس: قالت اليهود لعبد الله ابن أبي ابن سلول وأصحابه من المنافقين: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه ؟ فارجعوا إلى المدينة فأنتم آمنون . ) إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا (: من الدين ، وقيل: من القتل . وقال الضحاك: ورجع ثمانون رجلًا من غير إذن للنبي( صلى الله عليه وسلم ) ) . والضمير في: ) دَخَلَتْ ( ، الظاهر عوده على البيوت ، إذ هو أقرب مذكور . قيل: أو على المديمنة ، أي ولو دخلها الأحزاب الذين يفرون خوفًا منها ؛ والثالث على أهاليهم وأولادهم . ) ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ (: أي الردة والرجوع إلى إظهار الكفر ومقاتلة المسلمين . ) لاَتَوْهَا (: أي لجاءوا إليها وفعلوا على قراءة القصر ، وهي قراءة نافع وابن كثير . وقرأ باقي السبعة: لآتوها بالمد ، أي لأعطوها . ) وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا (: وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم ) إِلاَّ يَسِيرًا ( ، فإن الله يهلكهم ويخرجهم بالمؤمنين . قال ابن عطية: ولو دخلت المدينة من أقطارها ، واشتد الحرب الحقيقي ، ثم سئلوا الفتنة والحرب لمحمد( صلى الله عليه وسلم ) ) ، لطاروا إليها وأتوها مجيبين فيها ، ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا يسيرًا ، قيل: قدر ما يأخذون سلاحهم . انتهى . وقرأ الجمهور: سئلوا ، وقرأ الحسن: سولوا ، بواو ساكنة بعد السين المضمومة ، قالوا: وهي من سال يسال ، كخاف يخاف ، لغة من سأل المهموز العين . وحكى أبو زيد: هما يتساولان . انتهى . ويجوز أن يكون أصلها الهمزة ، لأنه يجوز أن يكون سولوا على قول من يقول في ضرب ضرب ، ثم سهل الهمزة بإبدالها واوًا على قول من قال في بؤس بوس ، بإبدال الهمزة واوًا لضمة ما قبلها . وقرأ عبد الوارث ، عن أبي عمرو والأعمش: سيلوا ، بكسر السين من غير همز ، نحو: قيل . وقرأ مجاهد: سوئلوا ، بواو بعد السين المضمومة وياء مكسورة بدلًا من الهمزة .
وقال الضحاك: ) ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ (: أي القتال في العصبية ، لأسرعوا إليه . وقال الحسن: الفتنة ، الشرك ، والظاهر عود الضمير بها على الفتنة . وقيل: يعود على المدينة . و ) عَاهَدُواْ (: أجرى مجرى اليمين ، ولذلك يتلقى بقوله: ) لاَ يُوَلُّونَ الاْدْبَارَ ). وجواب هذا القسم جاء على الغيبة عنهم على المعنى: ولو جاء كما لفظوا به ، لكان التركيب: لا نولي الأدبار . والذين عاهدوا: بنو حارثة وبنو مسلمة ، وهما الطائفتان اللتان هما بالفشل في يوم أُحُد ، ثم تابوا وعاهدوا أن لا يفروا ، فوقع يوم الخندق من بني حارثة ذلك الاستئذان . قال ابن عباس: عاهدوا بمكة ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منهم أنفسهم . وقيل: ناس غابوا عن وقعة بدر قالوا: لئن أشهدنا الله قتالًا لنقاتلن من قبل: أي من قبل هذه الغزوة ، غزوة الخندق . ) لاَ يُوَلُّونَ الاْدْبَارَ (: كناية عن الفرار والانهزام ، سئلوا مطلوبًا مقتضى حتى يوفى به ، وفي ذلك تهديد ووعيد .
( قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ(: خطاب توبيخ وإعلام أن الفرار لا ينجي من القدر ، وأنه تنقطع أعمارهم في يسيرهم من المدة ، واليسير مدة: الآجال . قال الربيع بن خيثم: وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه ، أي: ) إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الْمَوْتِ ( ، أو القتل ، لا ينفعكم الفرار ، لأن مجيء الأجل لا بد منه . وإذًا هنا تقدّمها حرف عطف ، فلا يتحتم إعمالها ، بل يجوز ، ولذلك قرأ بعضهم: ) وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُواْ خَلْفَكَ ( في سورة الإسراء ، بحذف النون . ومعنى خلفك: أي بعد فراقهم إياك . و ) قَلِيلًا (: نعت لمصدر محذوف ، أي تمتيعًا قليلًا ، أو لزمان محذوف ، أي زمانًا قليلًا . ومرّ بعض المروانية على حائط مائل فأسرع ، فتليت له هذه الآية ، فقال: ذلك القليل نطلب . وقرأ الجمهور: ) لاَّ تُمَتَّعُونَ ( ، بتاء الخطاب ؛ وقرىء: بياء الغيبة . و ) مَن ذَا (: استفهام ، ركبت ذا مع من وفيه معنى النفي ، أي لا أحد يعصمكم من الله . قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ، ولا عصمة إلا من السوء ؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة ، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قوله:
متقلدًا سيفًا ورمحًا
أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع . انتهى .
أما الوجه الأول ففيه حذف جملة لا ضرورة تدعو