فهرس الكتاب

الصفحة 3430 من 4224

"صفحة رقم 244"

في نفسه غير مستقيم ، فكيف صح بها التمثيل على المحال ؟ وما مثال هذا إلا أن تشبه شيئًا ، والمشبه به غير معقول . قلت: الممثل به في الآية ، وفي قولهم: لو قيل للشحم أين تذهب ؟ وفي نظائره مفروض ، والمفروض أن يتخيل في الذهن . كما أن المحققات مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحال المفروض ، لو عرضت على السموات والأرض والجبال ) فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ). انتهى .

وقال أيضًا: إن هذه الأجرام العظام قد انقادت لأمر الله انقياد مثلها ، وهو ما تأتي من الجمادات ، حيث لم يمتنع على مشيئته إيجادًا وتكوينًا وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة . كما قال: ) قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ). وأما الإنسان ، فلم يكن حاله فيما يصح منه من الانقياد لأوامر الله ونواهيه ، وهو حيوان إن صالح للتكليف ، مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد . والمراد بالأمانة: الطاعة ، لأنها لازمة للوجود . كما أن الأمانة لازمة للأداء ، وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها مجاز . وحمل الأمانة من قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها ، يريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها ، لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها ، وهو حامل لها . ألا تراهم يقولون: ركبته الديون ؟ ولي عليه حق ؟ فأبين أن لا يؤدونها ، وأبى الإنسان أن لا يكون محتملًا لها لا يؤديها . ثم وصفه بالظلم لكونه تاركًا لأداء الأمانة ، وبالجهل لخطئه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها . انتهى ، وفيه بعض حذف .

وقال قوم: الآية من المجاز ، أي إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال ، رأيتهما أنهما لا تطيقها ، وأنها لو تكلمت ، لأبتها وأشفقت عنها ؛ فعبر عن هذا المعنى بقوله: ) إِنَّا عَرَضْنَا ( الآية ، وهذا كما تقول:( عرضت الحمل على البعير فأباه ، وأنت تريد بذلك مقارنة قوته بثقل الحمل ، فرأيتها تقصر عنه ؛ ونحوه قول ابن بحر ) معنى عرضنا: عارضناها وقابلناها بها . ) فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا (: أي قصرن ونقص عنها ، كما تقول: أبت الصنجة أن تحمل ما قابلها . ) وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ( ، قال ابن عباس ، وابن جبير: التزم القيام بحقها ، والإنسان آدم ، وهو في ذلك ظلوم نفسه ، جهول بقدر ما دخل فيه . وقال ابن عباس: ما تم له يوم حتى أخرج من الجنة . وقال الضحاك ، والحسن: وحملها معناه: خان فيها ، والإنسان الكافر والمنافق والعاصي على قدره . وقال ابن مسعود ، وابن عباس أيضًا: ابن آدم قابيل الذي قتل أخاه هابيل ، وكان قد تحمل لأبيه أمانة أن يحفظ الأهل بعده ، وكان آدم مسافرًا عنهم إلى مكة ، في حديث طويل ذكره الطبري . وقال ابن إسحاق: عرض الأمانة: وضع شواهد الوحدانية في المصنوعات . والحمل: الخيانة ، كما تقول: حمل خفي واحتمله ، أي ذهب به . قال الشاعر: إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة

وتحمل أخرى أخرجتك الودائع

انتهى . وليس وتحمل أخرى نصفًا في الذهاب بها ، بل يحتمل لأنك تتحمل أخرى ، فتؤدي واحدة وتتحمل أخرى ، فلا تزال دائمًا ذا أمانات ، فتخرج إذ ذاك .

واللام في )لّيُعَذّبَ ( لام الصيرورة ، لأنه لم يحملها لأن يعذب ، لكنه حملها فآل الأمر إلى أن يعذب من نافق وأشرك ، ويتوب على من آمن . وقال الزمخشري: لام التعليل على طريق المجاز ، لأن نتيجة حمل الأمانة العذاب ، كما أن التأديب في: ضربته للتأديب ، نتيجة الضرب . وقرأ الأعمش: فيتوب ، يعني بالرفع ، بجعل العلة قاصرة على فعل الحامل ، ويبتدىء ويتوب . ومعنى قراءة العامة: ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها ، لأنه إذا ثبت على أن الواو في وكان ذلك نوعان من عذاب القتال . انتهى . وذهب صاحب اللوامح أن الحسن قرأ ويتوب بالرفع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت