فهرس الكتاب
"صفحة رقم 252"
( سقط: تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين )
مناسبة قصة داود وسليمان ، عليهما السلام ، لما قبلها ، هي أن أولئك الكفار أنكروا البعث لاستحالته عندهم ، فأخبروا بوقوع ما هو مستحيل في العادة مما لا يمكنهم إنكاره ، إذ طفحت ببعضه أخبارهم وشعراؤهم على ما يأتي ذكره ، إن شاء الله ، من تأويب الجبال والطير مع داود ، والإنة الحديد ، وهو الجرم المستعصي ، وتسخير الريح لسليمان ، وإسالة النحاس له ، كما ألان الحديد لأبيه ، وتسخير الجن فيما شاء من الأعمال الشاقة .
وقيل: لما ذكر من ينيب من عباده ، ذكر من جملتهم داود ، كما قال: ) فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ( ، وبين ما آتاه الله على إنابته فقال: ) وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلًا ( ، وقيل: ذكر نعمته على داود وسليمان ، عليهما السلام ، احتجاجًا على ما منح محمدًا( صلى الله عليه وسلم ) ): أي لا تستبعدوا هذا ، فقد تفضلنا على عبيدنا قديمًا بكذا وكذا . فلما فرغ التمثيل لمحمد ، عليه السلام ، رجع التمثيل لهم بسبأ ، وما كان من هلاكهم بالكفر والعتو . انتهى . والفضل الذي أوتي داود: الزبور ، والعدل في القضاء ، والثقة بالله ، وتسخير الجبال ، والطير ، وتليين الحديد ، أقوال . ) مِن جِبَالٍ (: هو إضمار القول ، إما مصدر ، أي قلنا ) مِن جِبَالٍ ( ، فيكون بدلًا من ) فَضْلًا ( ، وأما فعلًا ، أي قلنا ، فيكون بدلًا من ) ءاتَيْنَا ( ، وإما على الاستئناف ، أي قلنا ) مِن جِبَالٍ ( ، وجعل الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ، إشعارًا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد لمشيئته ، غير ممتنع على إرادته ، ودلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية ، حيث نادى الجبال وأمرها . وقرأ الجمهور: ) أَوّبِى( ، مضاعف آب يؤوب ، ومعناه: سبحي معه ، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد . وقال مؤرج ، وأبو ميسرة: أوبي: سبحي ، بلغة الحبشة ، أي يسبح هو وترجع هي معه التسبيح ، أي تردد بالذكر ، وضعف الفعل للمبالغة ، قاله ابن عطية . ويظهر أن التضعيف للتعدية ، فليس للمبالغة ، إذا أصله آب ، وهو لازم بمعنى: رجع اللازم فعدى بالتضعيف ، إذ شرحوه بقولهم: رجعي معه التسبيح .
قال الزمخشري: ومعنى تسبيح الجبال: أن الله يخلق فيها تسبيحًا ، كما خلق الكلام في الشجرة ، فيسمع منها ما يسمع من المسبح ، معجزة لداود . قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين ، وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها . انتهى . وقوله: كما خلق الكلام في الشجرة ، يعني أن الذي يسمع موسى هو مما خلقه الله في الشجرة من الكلام ، لا أنه كلام الله حقيقة ، وهو مذهب المعتزلة . وأما قوله: تساعده الجبال على نوحه بأصدائها فليس بشيء ، لأن الصدى ليس بصوت الجبال حقيقة ، والله تعالى نادى الجبال وأمرها بأن تؤوب معه ، والصدى لا تؤمر الجبال بأن تفعله ، إذ ليس فعلًا لها ، وإنما هو من آثار صوت المتكلم على ما يقوم عليه البرهان . وقال الحسن: معنى )أَوّبِى مَعَهُ (: سيري معه أين سار ، والتأويب: سير النهار . كان الإنسان يسير الليل ثم يرجع للسير بالنهار ، أي يردده ، وقال تميم بن مقبل: لحقنا بحي أوبوا السير بعدما
رفعنا شعاع الشمس والطرف تجنح
وقال آخر: يومان يوم مقامات وأندية
ويوم سير إلى الاعداء تأويب
وقيل: أوّبي: تصرفي معه على ما يتصرف فيه . فكان إذا قرأ الزبور ، صوتت الجبال معه وأصغت إليه الطير ، فكأنها فعلت ما فعل . وقرأ ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وابن أبي إسحاق: أوبي ، أمر من أوب: أي رجعي معه في التسبيح ، أو في