فهرس الكتاب
"صفحة رقم 261"
الكوفيون ، فأبو علي أخذ بقولهم في هذه المسألة . وقرأ أبو عمرو: أُكُل خمط بالإضافة: أي ثمر خمط . وقرىء: وأثلًا وشيئًا بالنصب ، حكاه الفضل بن إبراهيم ، عطفًا على جنتين . وقليل صفة لسدر ، وقلله لأنه كان أحسن أشجاره وأكرم ، قاله الحسن ، وذلك إشارة إلى ما أجراه عليهم من تخريب بلادهم ، وإغراق أكثرهم ، وتمزيقهم في البلاد ، وإبدالهم بالأشجار الكثيرة الفواكه الطيبة المستلذة ، الخمط والأثل والسدر . ثم ذكر سبب ذلك ، وهو كفرهم بالله وإنكار نعمه . ) وَهَلْ ( بذلك العقاب ) نُجْزِى إِلاَّ الْكَفُورَ (: أي المبالغ في الكفر ، يجازي بمثل فعله قدرًا بقدر ، وأما المؤمن فجزاؤه بتفضيل وتضعيف . وقرأ الجمهور: بضم الياء وفتح الزاي ، الكفور رفعًا ؛ وحمزة والكسائي: بالنون وكسر الزاي ، الكفور نصبًا . وقرأ مسلم بن جندب: يجزي مبنيًا للمفعول ، الكفور رفعًا ، وأكثر ما يستعمل الجزاء في الخير ، والمجازاة في الشر ، لكن في تقييدهم قد يقع كل واحد منهما موقع الآخر .
( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً(: جاءت هذه الجملة بعد قوله: ) وَبَدَّلْنَاهُمْ ( ، وذلك أنه لما ذكر ما أنعم به عليهم من جنتيهم ، وذكر تبديلها بالخمط والأثل والسدر ، ذكر ما كان أنعم به عليهم من اتصال قرارهم ، وذكر تبديلها بالمفاوز والبراري . وقوله: ) وَجَعَلْنَا ( ، وصف تعالى حالهم قبل مجيء السيل ، وهو أنه مع ما كان منهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم ، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلها أربابها ، وقدّر السير بأن قرب القرى بعضها من بعض . قال ابن عطية: حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل في أخرى ، ولا يحتاج إلى حمل زاد . والقرى: المدن ، ويقال للجمع الصغير أيضًا قرية . والقرى التي بورك فيها بلاد الشام ، بإجماع من المفسرين . والقرى الظاهرة هي التي بين الشأم ومأرب ، وهي الصغار التي هي البوادي . انتهى . وما ذكره من أن القرى التي بورك فيها هي قرى الشام بإجماع ليس كما ذكر ، قال مجاهد: هي السراوي . وقال وهب: قرى صنعاء . وقال ابن جبير: قرى مأرب . وقال ابن عباس: قرى بيت المقدس . وبركتها: كثرة أشجارها أو ثمارها . ووصف قرى بظاهرة ، قال قتادة: متصلة على الطريق ، يغدون فيقيلون في قرية ، ويروحون فيبيتون في قرية . قيل: كان كل ميل قرية بسوق ، وهو سبب أمن الطريق . وقال المبرد: ظاهرة: مرتفعة ، أي في الآكام والظراب ، وهو أشرف القرى . وقيل: ظاهرة ، إذا خرجت من هذه ظهرت لك الأخرى . وقيل: ظاهرة: معروفة ، يقال هذا أمر ظاهر: أي معروف ، وقيل: ظاهرة: عامرة . وقال ابن عطية: والذي يظهر لي أن معنى ظاهرة: خارجة عن المدة ، فهي عبارة عن القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن ، كأنه فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن . وظواهر المدن: ما خرج عنها في الفيافي والفحوص ، ومنه قولهم: نزلنا بظاهر فلاة أى خارجًا عنها ، وقوله: ) ظَاهِرَةً (: تظهر ، تسميه الناس إياها بالبادية والضاحية ، ومن هذا قول الشاعر: فلو شهدتني من قريش عصابة
قريش البطاح لا قريش الظواهر
يعني: الخارجين من بطحاء مكة . وفي الحديث: ( وجاء أهل الضواحي يسكنون الغرف ) . ) وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ (: قد ذكر أن الغادي يقيل في قرية ، والرائح في أخرى ، إلى أن يصل إلى مقصوده آمنًا من عدو وجوع وعطش وآفات المسافر . قال الضحاك: مقادير المراحل كانت القرى على مقاديرها . وقال الكلبي: مقادير المقيل والمبيت ، وقال القتبي: بين كل قرية وقرية مقدار واحد معلوم ، وقيل: بين كل قريتين نصف يوم ، وهذه أقوال متقاربة . والظاهر أن قوله: ) سِيرُواْ ( ، أمر حقيقة على لسان أنبيائهم . وقال الزمخشري: ولا قول ثم ، ولكنهم لما مكنوا من السير ، وسويترلهم أسبابه ، فكأنهم أمروا بذلك وأذن لهم فيه . انتهى . ودخول الفاء في قوله فكأنهم لا يجوز ، والصواب كأنهم لأنه خبر