"صفحة رقم 387"
الجزاء ، ومقر كل واحد من الفريقين . ولما كان ما يذكره نوعًا من أنواع التنزيل ، قال: ) هَاذَا ذِكْرُ ( ، كأنه فصل بين ما قبله وما بعده . ألا ترى أنه لما ذكر أهل الجنة ، وأعقبه بذكر أهل النار قال: ) هَاذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ( ؟ وقال ابن عباس: هذا ذكر من مضى من الأنبياء . وقيل: ) هَاذَا ذِكْرُ (: أي شرف تذكرون به أبدًا . وقرأ الجمهور: ) جَنَّاتُ( بالنصب ، وهو بدل ، فإن كان عدن علمًا ، فبدل معرفة من نكرة ؛ وإن كان نكرة ، فبدل نكرة من نكر .
وقال الزمخشري: )جَنَّاتِ عَدْنٍ ( معرفة لقوله: ) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ ( ، وانتصابها على أنها عطف بيان بحسن مآب ، ومفتحة حال ، والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل . وفي مفتحة ضمير الجنات ، والأبواب بدل من الضمير تقديره: مفتحة هي الأبواب لقولهم: ضرب زيد اليد والرجل ، وهو من بدل الاشتمال . انتهى . ولا يتعين أن يكون جنات عدن معرفة بالدليل الذي استدل به وهو قوله: ) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى ( ، لأنه اعتقد أن التي صفة لجنات عدن ، ولا يتعين ما ذكره ، إذ يجوز أن تكون التي بدلًا من جنات عدن . ألا ترى أن الذي والتي وجموعهما تستعمل استعمال الأسماء ، فتلي العوامل ، ولا يلزم أن تكون صفة ؟ وأما انتصابها على أنها عطف بيان فلا يجوز ، لأن النحويين في ذلك على مذهبين: أحدهما: أن ذلك لا يكون إلا في المعارف ، فلا يكون عطف البيان إلا تابعًا لمعرفة ، وهو مذهب البصريين . والثاني: أنه يجوز أن يكون في النكرات ، فيكون عطف البيان تابعًا لنكرة ، كما تكون المعرفة فيه تابعة لمعرفة ، وهذا مذهب الكوفيين ، وتبعهم الفارسي . وأما تخالفهما في التنكير والتعريف فلم يذهب إليه أحد سوى هذا المصنف . وقد أجاز ذلك في قوله: ) مَّقَامِ إِبْراهِيمَ ( ، فأعربه عطف بيان تابعًا لنكرة ، وهو ) بَيّنَاتٍ فَاسْأَلْ ( ، و ) مَّقَامِ إِبْراهِيمَ ( معرفة ، وقد رددنا عليه ذلك في موضعه في آل عمران . وأما قوله: وفي مفتحة ضمير الجنات ، فجمهور النحويين أعربوا الأبواب مفعولًا لم يسم فاعله . وجاء أبو علي فقال: إذا كان كذلك ، لم يكن في ذلك ضمير يعود على جنات عدن . من الحالية أن أعرب مفتحة حالًا ، أو من النعت أن أعرب نعتًا لجنات عدن ، فقال: في مفتحة ضمير يعود على الجنات حتى ترتبط الحال بصاحبها ، أو النعت بمنعوته ، والأبواب بدل . وقال: من أعرب الأبواب مفعولًا ، لم يسم فاعله العائد على الجنات محذوف تقديره: الأبواب منها . وألزم أبو علي البدل في مثل هذا لا بد فيه من الضمير ، إما ملفوظًا به ، أو مقدرًا . وإذا كان الكلام محتاجًا إلى تقديره واحد ، كان أولى مما يحتاج إلى تقديرين . وأما الكوفيون ، فالرابط عندهم هو أل لمقامه مقام الضمير ، فكأنه قال: مفتحة لهم أبوابها . وأما قوله: وهو من بدل الاشتمال ، فإن عنى بقوله: وهو قوله اليد والرجل ، فهو وهم ، وإنما هو بدل بعض من كل . وإن عنى الأبواب ، فقد يصح ، لأن أبواب الجنات ليست بعضًا من الجنات . وأما تشبيهه ما قدره من قوله: مفتحة هي الأبواب ، بقولهم: ضرب زيد اليد والرجل ، فوجهه أن الأبواب بدل من ذلك الضمير المستكن ، كما أن اليد والرجل بدل من الظاهر الذي هو زيد . وقال أبو إسحاق: وتبعه ابن عطية: مفتحة نعت لجنات عدن . وقال الحوفي: مفتحة حال ، والعامل فيها محذوف يدل عليه المعنى ، تقديره: يدخلونها . وقرأ زيد بن علي ، وعبد الله بن رفيع ، وأبو حيوة: جنات عدن مفتحة ، برفع التاءين: مبتدأ وخبر ، أوكل منهما خبر مبتدأ محذوف ، أي هو جنات عدن هي مفتحة . والاتكاء: من هيئات أهل السعادة يدعون فيها ، يدل على أن عندهم من يستخدمونه فيما يستدعون ، كقوله: ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُّخَلَّدُونَ ).
ولما كانت الفاكهة يتنوع وصفها بالكثرة ، وكثرتها باختلاف أنواعها ، وكثرة كل نوع منها ؛ ولما كان الشراب نوعًا واحدًا وهو الخمر ، أفرد: ) وَعِندَهُمْ قَاصِراتُ الطَّرْفِ ). قال قتادة: معناه على أزواجهن ، ( أَتْرَابٌ (: أي أمثال على سنّ واحدة ، وأصله في بني آدم لكونهم مس أجسادهم التراب في وقت واحد ، والأفران أثبت في التحاب . والظاهر أن هذا الوصف هو بينهن ، وقيل: بين أزواجهن ، أسنانهن كأسنانهم . وقال ابن عباس: يريد الآدميات . وقال صاحب الغنيان: حور . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو: وهذا