فهرس الكتاب

الصفحة 3578 من 4224

"صفحة رقم 391"

والحساب والعقاب ، وهم عن ذلك معرضون . وقوله: ) مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمََلإِ الاْعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ(: احتجاج على قريش بأن ما جاء به من عند الله لا من قبل نفسه . فإن من في الأرض ما له علم بمن في السماء إلا بإعلام الله تعالى ؛ وعلم المغيبات لا يوصل إليه إلا بإعلام الله تعالى ، وعلمه بأحوال أهل النار ، وابتداء خلق آدم لم يكن عنه علم بذلك ؛ فإخباره بذلك هو بإعلام الله والاستدلال بقصة آدم ، لأنه أول البشر خلقًا ، وبينه وبين الرسول عليه السلام أزمان متقادمة وقرون سالفة . انتهى ، وفي آخره بعض اختصار .

ثم احتج بصحة نبوته ، بأن ما ينبىء به عن الملأ الأعلى واختصامهم أمر لم يكن به به من علم قط . ثم علمه من غير الطريق الذي يسلكه المتعلمون ، بل ذلك مستفاد من الوحي ، وبالملأ متعلق بعلم ، وإذ منصوب به . وقال الزمخشري: بمحذوف ، لأن المعنى: ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم . )وَإِذْ قَالَ ( بدل من ) إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( على الملأ الأعلى ، وهم الملائكة ، وأبعد من قال إنهم قريش ، واختصام الملائكة في أمر آدم وذريته في جعلهم في الأرض . وقالوا: ) أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ). قال ابن عباس: وقال الحسن: إن الله خالق خلقًا كنا أكرم منه وأعلم . وقيل: في الكفارات وغفر الذنوب ، فإن العبد إذا عمل حسنة اختلفت الملائكة في قدر ثوابه في ذلك حتى يقضي الله بما يشاء . وفي الحديث: ( قال له ربه في نومه ، عليه السلام: فيم يختصمون ؟ فقلت: لا أدري ، فقال: في الكفارات وفي إسباغ الوضوء في السرات ونقل الخطأ إلى الجماعات ) .

وقال الزمخشري: كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك ، وكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط ، فيصح أن التقاول بين الملائكة وآدم وإبليس ، وهم الملأ الأعلى ؛ والمراد بالاختصام: التقاول . وقيل: الملأ الأعلى: الملائكة ، وإذ يختصمون: الضمير فيه للعرب الكافرين ، فبعضهم يقول: هي بنات الله ، وبعضهم: آلهة تعبد ، وغير ذلك من أقوالهم .

( ءانٍ يُوحِى إِلَىَّ (: أي ما يوحى إليّ ، ( أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ(: أي للإنذار ، حذف اللام ووصل الفعل والمفعول الذي لم يسم فاعله يجوز أن يكون ضميرًا يدل عليه ، المعنى ، أي أن يوحى إليّ هو ، أي ما يوحى إلا الإنذار ، وأقيم إلى مقامه ، ويجوز أن يكون إنما هو المفعول الذي لم يسم فاعله ، أي ما يوحى إليّ إلا الإنذار . وقرأ أبو جعفر: إلا إنما ، بكسر همزة إنما على الحكاية ، أي ما يوحى إليّ إلا هذه الجملة ، كأن قيل له: أنت نذير مبين ، فحكى هو المعنى ، وهذا كما يقول الإنسان: أنا عالم ، فيقال له: قلت إنك عالم ، فيحكى المعنى . وقال الزمخشري: وقرىء إنما بالكسر على الحكاية ، أي إلا هذا القول ، وهو أن أقول لكم ) أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ( ، فلا أدعي شيئًا آخر . انتهى . في تخريجه تعارض ، لأنه قال: أي إلا هذا القول ، فظاهره الجملة التي هي ) أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ( ، ثم قال: وهو أن أقول لكم إني نذير ، فالمقام مقام الفاعل هو أن أقول لكم ، وأن وما بعده في موضع نصب ، وعلى قوله: إلا هذا القول ، يكون في موضع رفع فيتعارضا . وتقدم أن ، إذ قال بدل من: إذ يختصمون ، هذا إذا كانت الخصومة في شأن من يستخلف في الأرض ، وعلى غيره من الأقوال يكون منصوبًا باذكر .

ولما كانت قريش ، خالفوا الرسول ، عليه السلام ، بسبب الحسد والكبر . ذكر حال إبليس ، حيث خالف أمر الله بسبب الحسد والكبر وما آل إليه من اللعنة والطرد من رحمة الله ، ليزدجر عن ذلك من فيه شيء منهما . وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح أن يقول لهم: )إِنّى خَالِقٌ بَشَرًا ( ، وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به قبل ؟ قلت: وجهه أن يكون قد قال لهم: إني خالق خلقًا من صفة كيت وكيت ، ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم . انتهى . والبشر هو آدم عليه السلام ، وذكر هنا أنه خلقه من طين ، وفي آل عمران: ) خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ( ، وفي الحجر: ) مِن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ( ، وفي الأنبياء: ) مِنْ عَجَلٍ ( ؛ ولا منافاة في تلك المادة البعيدة ، وهي التراب ، ثم ما يليه وهو الطين ، ثم ما يليه وهو الحمأ المسنون ، ثم المادة تلي الحمأ وهو الصلصال ؛ وأما من عجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت