فهرس الكتاب

الصفحة 3579 من 4224

"صفحة رقم 392"

فمضى تفسير .

( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ اسْجُدُواْ لادَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ(: تقدم الكلام على هذا في الحجر ، وهنا ) اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( ، وفي البقرة: ) أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( ، وفي الأعراف: ) لَمْ يَكُن مّنَ السَّاجِدِينَ ( ، وفي الحجر: ) أَبَى أَن يَكُونَ مّنَ السَّاجِدِينَ ( ، وفي الإسراء: ) قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ( ، وفي الكهف: ) كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ). والإستثناء في جميع هذه الآيات يدل على أنه لم يسجد ، فتارة أكد بالنفي المحض ، وتارة ذكر إبايته عن السجود ، وهي الأنفة من ذلك ، وتارة نص على أن ذلك الامتناع كان سببه الاستكبار . والظاهر أن قوله: ) وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( أريد به كفره ذلك الوقت ، وإن لم يكن قبله كافرًا ؛ وعطف على استكبر ، فقوى ذلك ، لأن الاستكبار عن السجود إنما حصل له وقت الأمر . ويحتمل أن يكون إخبارًا منه بسبق كفره في الأزمنة الماضية في علم الله .

( قَالَ يَاءادَمُ إِبْلِيسَ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ( ، وفي الأعراف: ) مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدُواْ ( ، فدل أن تسجد هنا ، على أن لا في أن لا تسجد زائدة ، والمعنى أيضًا يدل على ذلك ، لأنه لا يستفهم إلا عن المانع من السجود ، وهو استفهام تقرير وتوبيخ . وما في ) لِمَا خَلَقْتُ ( ، استدل بها من يجيز إطلاق ما على آحاد من يعقل ، وأول بأن ما مصدرية ، والمصدر يراد به المخلوق ، لا حقيقة المصدر . وقرأ الجحدري: لما بفتح اللام وتشديد الميم ، خلقت بيدي ، على الإفراد ؛ والجمهور: على التثنية ؛ وقرىء بيديّ ، كقراءة بمصرخي ؛ وقال تعالى: ) مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا( بالجمع ، وكلها عبارة عن القدرة والقوة ، وعبر باليد ، إذ كان عند البشر معتادًا أن البطش والقوة باليد . وذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن اليد صفة ذات . قال ابن عطية: وهو قول مرغوب عنه .

وقرأ الجمهور: )أَسْتَكْبَرْتَ ( ، بهمزة الاستفهام ، وأم متصلة عادلت الهمزة . قال ابن عطية: وذهب كثير من النحويين إلى أن أم لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين ، وإنما تكون معادلة إذا دخلنا على فعل واحد ، كقولك: أزيد قام أم عمرو ؟ وقولك: أقام زيد أم عمرو ؟ فإذا اختلف الفعلان كهذه الآية ، فليست معادلة . ومعنى الآية: أحدث لك الاستكبار الآن ، أم كنت قديمًا ممن لا يليق أن تكلف مثل هذا لعلو مكانك ؟ وهذا على جهة التوبيخ . انتهى . وهذا الذي ذكره عن كثير من النحويين مذهب غير صحيح . قال سيبويه: وتقول أضربت زيدًا أم قتلته فالبدء هنا بالفعل أحسن ، لأنك إنما تسأل عن أحدهما ، لا تدري أيهما كان ، ولا تسأل عن موضع أحدهما ، كأنك قلت: أي ذلك كان ؟ انتهى . فعادل بأم الألف مع اختلاف الفعلين . ) مِنَ الْعَالِينَ (: ممن علوت وفقت . فأجاب بأنه من العالين ، حيث قال ) أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ ). وقيل: استكبرت الآن ، أو لم تزل مذ كنت من المستكبرين ؟ ومعنى الهمزة: التقرير . انتهى . وقرأت فرقة ، منهم ابن كثير وغيره: استكبرت ، بصلة الألف ، وهي قراءة أهل مكة ، وليست في مشهور ابن كثير ، فاحتمل أن تكون همزة الاستفهام حذفت لدلالة أم عليها ، كقوله:

بسبع رمين الجمر أم بثمان

واحتمل أن يكون إخبارًا خاطبه بذلك على سبيل التقريع ، وأم تكون منقطعة ، والمعنى: بل أنت من العالين عند نفسك استخفافًا به . ) قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (: تقدم الكلام على ذلك في الأعراف . ) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا ( إلى قوله: ) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (: تقدم الكلام على مثل ذلك في الحجر ، إلا أن هنا ) لَعْنَتِى ( وهناك ) اللَّعْنَةَ ( أعم . ألا ترى إلى قوله: ) أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ( ؟ وأما بالإضافة ، فالعموم في اللعنة أعم ، واللعنات إنما تحصل من جهة أن عليه لعنة الله كانت عليه لعنة كل لاعن ، هذا من جهة المعنى ، وأما باللفظ فيقتضي التخصيص . ) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ (: أقسم إبليس هنا بعزة الله ، وقال في الأعراف: ) فِيمَا أَغْوَيْتَنِى لاقْعُدَنَّ ( ، وفي الحجر: ) رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لازَيّنَنَّ ). وتقدم الكلام عليهما في موضعهما ، وأن من المفسرين من قال: إن الباء في: بما أغويتني ، وفي: فبما أغويتني ليست باء القسم . فإن كانت باء القسم ، فيكون ذلك في موطئين: فهنا: ) لاَغْوِيَنَّهُمْ ( ، وفي الأعراف: ) لاقْعُدَنَّ ( ، وفي الحجر: ) لازَيّنَنَّ ). وقرأ الجمهور: فالحق ، بنصبهما . أما الأول فمقسم به ، حذف منه الحرف كقوله: ) أمانة الله لأقومن ( ، والمقسم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت