فهرس الكتاب

الصفحة 3586 من 4224

"صفحة رقم 399"

سبق منه الكذب والكفر . قال ابن عطية: لا يهدي الكاذب الكافر في حال كذبه وكفره . وقال الزمخشري: المراد بمنع الهداية: منع اللطف تسجيلًا عليهم بأن لا لطف لهم ، وأنهم في علم الله من الهالكين . انتهى ، وهو على طريق الاعتزال . وقرأ أنس بن مالك ، والجحدري ، والحسن ، والأعرج ، وابن يعمر: كذاب كفار . وقرأ زيد بن علي: كذوب وكفور .

ولما كان من كذبهم دعوى بعضهم أن الملائكة بنات الله ، وعبدوها عقبه بقوله: ) لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ( ، تشريفًا له وتبنيًا ، إذ يستحيل أن يكون ذلك في حقه تعالى بالتوالد المعروف ، ( لاَّصْطَفَى(: أي اختار من مخلوقاته ما يشاء ولدًا على سبيل التبني ، ولكنه تعالى لم يشأ ذلك لقوله: ) وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَانِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ( ، وهو عام في اتخاذ النسل واتخاذ الاصطفاء . ويدل على أن الاتخاذ هو التبني ، والاصطفاء قوله: ) مِمَّا يَخْلُقُ (: أي من التي أنشأها واخترعها ؛ ثم نزه تعالى نفسه تنزيهًا مطلقًا فقال: ) سُبْحَانَهُ ( ، ثم وصف نفسه بالوحدانية والقهر لجميع العالم . وقال الزمخشري: يعني لو أراد اتخاذ الولد لامتنع ، ولم يصح لكونه محالًا ، ولم يتأت إلا أن يصطفى من خلقه بعضهم ، ويختصهم ويقربهم كما يختص الرجل ولده ويقربه ، وقد فعل ذلك بالملائكة ، فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم ، فزعمتم أنهم أولاده جهلًا منكم به وبحقيقة المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض ، كأنه قال: لو أراد اتخاذ الولد ، لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه ، وهم الملائكة ، فليس مفهومًا من قوله: ) لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء ).

ولما نزه تعالى نفسه ووصف ذاته بالوحدة والقهر ، ذكر ما دل على ذلك من اختراع العالم العلوي والسفلي بالحق ، وتكوير الليل والنهار ، وتسخير النيرين وجريهما على نظام واحد ، واتساق أمرهما على ما أراد إلى أجل مسمى ، وهو يوم القيامة ، حيث تخرب بنية هذا العالم فيزول جريهما ، أو إلى وقت مغيبهما كل يوم وليلة ، أو وقت قوايسها كل شهر . والتكوير: تطويل منهما على الآخر ، فكأنه الآخر صار عليه جزء منه . قال ابن عباس: يحمل الليل على النهار . وقال الضحاك: يدخل الزيادة في أحدهما بالنقصان من الآخر . وقال أبو عبيدة: يدخل هذا على هذا . وقال الزمخشري: وفيه أوجه: منها أن الليل والنهار خلفة ، يذهب هذا ويغشى مكانه هذا ؛ وإذا غشي مكانه فكأنما ألبسه ولف عليه كما يلف على اللابس اللباس ؛ ومنها أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه ، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه من مطامح الأبصار ؛ ومنها أن هذا يكر على هذا كرورًا متتابعًا ، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض . انتهى . ) أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (: العزيز الذي لا يغالب ، الغفار لمن تاب ، أو الحليم الذي لا يعجل ، سمى الحلم غفرانًا مجازًا .

ولما ذكر ما دل على واحدانيته وقهره ، ذكر الإنسان ، وهو الذي كلف بأعباء التكاليف ، فذكر أنه أوجدنا من نفس واحدة ، وهي آدم عليه السلام ، وذلك أن حواء على ما روي خلقت من آدم ، فقد صار خلقًا من نفس واحدة لوساطة حواء . وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر ، ثم خلق بعد ذلك حواء ، فعلى هذا كان خلقًا من آدم بغير واسطة . وجاءت على هذا القول على وضعها ، ثم للمهلة في الزمان ، وعلى القول الأول يظهر أن خلق حواء كان بعد خلقنا ، وليس كذلك . فثم جاء لترتيب الأخبار كأنه قيل: ثم كان من أمره قبل ذلك أن جعل منها زوجها ، فليس الترتيب في زمان الجعل . وقيل: ثم معطوف على الصفة التي هي واحدة ، أي من نفس وحدت ، أي انفردت .

( ثُمَّ جَعَلَ( ، قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه قوله تعالى: ) ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ( ، وما تعطيه من معنى التراخي ؟ قلت: هما آيتان من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت