فهرس الكتاب

الصفحة 3590 من 4224

"صفحة رقم 403"

هذه من تمام حسنة ، أي ولو تأخر لكان صفة ، أي الذين يحسنون لهم حسنة كائنة في الدنيا . فلما تقدم انتصب على الحال ، والحسنة التي لهم في الدنيا هي العافية والظهور وولاية الله تعالى .

ثم حض على الهجرة فقال: ) وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ( ، كقوله: ) أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ( ، أي لا عذر للمفرطين البتة ، حتى لو اعتلوا بأوطانهم ، وأنهم لا يتمكنون فيها من أعمال الطاعات ، قيل لهم: إن بلاد الله كثيرة واسعة ، فتحولوا إلى الأماكن التي تمكنكم فيها الطاعات . وقال عطاء: وأرض الله: المدينة للهجرة ، قيل: فعلى هذا يكون أحسنوا: هاجروا ، وحسنة: راحة من الأعداء . وقال قوم: أرض الله هنا: الجنة . قال ابن عطية: وهذا القول تحكم ، لا دليل عليه . انتهى . وقال أبو مسلم: لا يمتنع ذلك ، لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى ؛ ثم بين أنه من اتقى له في الآخرة الحسنة ، وهي الخلود في الجنة ؛ ثم بين أن أرض الله واسعة لقوله: ) وَأَوْرَثَنَا الاْرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء ( ، وقوله: ) وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ).

ولما كانت رتبة الإحسان منتهى الرتب ، كما جاء: ما الإحسان ؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه . وكان الصبر على ذلك من أشق الأشياء ، وخصوصًا من فارق وطنه وعشيرته وصبر على بلاء الغربة . ذكر أن الصابرين يوفون أجورهم بغير حساب ، أي لا يحاسبون في الآخرة ، كما يحاسب غيرهم ؛ أو يوفون ما لا يحصره حساب من الكثرة . ) قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينَ (: أمره تعالى أن يصدع الكفار بما أمر به من عبادة الله ، يخلصها من الشوائب ، ( وَأُمِرْتُ(: أي أمرت بما أمرت ، لأكون أول من أسلم ، أي انقاد لله تعالى ، ويعني من أهل عصره أو من قومه ، لأنه أول من حالف عباد الأصنام ، أو أول من دعوتهم إلى الإسلام إسلامًا ، أو أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ، لأكون مقتدى بي قولًا وفعلًا ، لا كالملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون ، أو أن أفعل ما أستحق به الأولية من أعمال السابقين دلالة على السبب بالمسبب . وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف عطف أمرت على أمرت وهما واحد ؟ قلت: ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما ، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء ، والأمر به لتحرز به قصب السبق في الدين شيء . وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين ، ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت ، لأن أفعل لا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح ، كأنها زيدت عوضًا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه ، كما عوض السين في اسطاع عوضًا من ترك الأصل الذي هو أطوع . والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله: ) وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ). انتهى . ويحتمل في أن أكون في ثلاثة المواضع أصله لأن أكون ، فيكون قد حذفت اللام ، والمأمور به محذوف ، وهو المصرح به هنا ) إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ ). ) قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(: تقدّم الكلام على هذه الجملة مقول القول في سورة يونس .

لما أمره أولًا أن يخبر بأنه أمر بعبادة الله ، أمر ثانيًا أن يخبر بأنه يعبد الله وحده . وتقديم الجلالة دال على الاهتمام بمن يعبد ، وعند الزمخشري يدل على الاختصاص ، قال: ولدلالته على ذلك ، قدم المعبود على فعل العبادة ، وأخره في الأول . فالكلام أولًا واقع في الفعل في نفسه وإيجاده ، وثانيًا فيمن يفعل الفعل لأجله ، ولذلك رتب عليه قوله: )فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ ). والمراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير المبالغة في الخذلان والتخلية . انتهى . وقال غيره: ) فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ (: صيغة أمر على جهة التهديد لقوله: ) قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ ). ) قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ (: أي حقيقة الخسران ، ( الَّذِينَ خَسِرُواْ(: أي هم الذين خسروا أنفسهم ، حيث صاروا من أهل النار ، وأهليهم الذين كانوا معهم في الدنيا ، حيث كانوا معهم في النار ، فلم ينتفعوا منهم بشيء ، وإن كان أهلوهم قد آمنوا ، فخسرانهم إياهم كونهم لا يجتمعون بهم ولا يرجعون إليهم . وقال قتادة: كأن الله قد أعد لهم أهلًا في الجنة فخسروهم ، وقال معناه ميمون بن مهران . وقال الحسن: هي الحور العين ، ثم ذكر ذلك الخسران وبالغ فيه في التنبيه عليه أولًا ، والإشارة إليه ، وتأكيده بالفعل ، وتعريفه بأل ، ووصفه بأنه المبين: أي الواضح لمن تأمله أدنى تأمل .

ولما ذكر خسرانهم أنفسهم وأهليهم ، ذكر حالهم في جهنم ، وأنه من فوقهم ظلل ومن تحت أرجلهم ظلل ، فيظهر أن النار تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم ، وسمى ما تحتهم ظللًا لمقابلة ما فوقهم ، كما قال: )يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت