فهرس الكتاب

الصفحة 3606 من 4224

"صفحة رقم 419"

لداخل عليه همزة التقرير . ولما كان قوله: ) لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِى ( وجوابه متضمنًا نفي الهداية ، كأنه قال: ما هداني الله ، فقيل له: ) بَلَى قَدْ جَاءتْكَ ءايَاتِى ( مرشدة لك ، فكذبت . وقال الزمخشري: رد من الله عليه ومعناه: بلى قد هديت بالوحي . انتهى ، جريًا على قواعد المعتزلة . وقال ابن عطية: وحق بلى أن تجيء بعد نفي عليه تقرير ، وقوله: ) بَلَى ( جواب لنفي مقدر ، كأن النفس قالت: فعمري في الدنيا لم يتسع للنظر ، أو قالت: فإني لم يتبين لي الأمر في الدنيا ونحو هذا . انتهى . وليس حق بلى ما ذكر ، بل حقها أن تكون جواب نفي . ثم حمل التقرير على النفي ، ولذلك لم يحمله عليه بعض العرب ، وأجابه بنعم ، ووقع ذلك أيضًا في كلام سيبويه نفسه أن أجاب التقرير بنعم اتباعًا لبعض العرب . وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بما هو جواب له ، وهو قوله: ) لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِى( ، ولم يفصل بينهما بآية ؟ قلت: لأنه لا يخلو ، إما أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن ، وإما أن تؤخر القرينة الوسطى . فلم يحسن الأول لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن ؛ وأما الثاني ، فلما فيه من نقض الترتيب ، وهو التحسر على التفريط في الطاعة ، ثم التعلل بفقد الهداية . ثم تمنى الرجعة ، فكان الصواب ما جاء عليه ، وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب . انتهى ، وهو كلام حسن .

وقرأ الجمهور: )قَدْ جَاءتْكَ ( ، بفتح الكاف وفتح تاء ما بعدها ، خطابًا للكافر ذي النفس . وقرأ ابن يعمر والجحدري ، وأبو حيوة ، والزعفراني ، وابن مقسم ، ومسعود بن صالح ، والشافعي عن ابن كثير ، ومحمد بن عيسى في اختياره وعن نصير ، والعبسي: بكسر الكاف والتاء ، خطاب للنفس ، وهي قراءة أبي بكر الصديق وابنته عائشة ، رضي الله عنهما ، وروتهما أم سلمة عن النبي /( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقرأ الحسن ، والأعرج ، والأعمش: جأتك ، بالهمز من غير مد ، بوزن بعتك ، وهو مقلوب من جاءتك ، قدمت لام الكلمة وأخرت العين فسقطت الألف ، كما سقطت في رمت وعرب . ولما ذكر مقالة الكافر ، ذكر ما يعرض له يوم القيامة من الإنذار بسوء منقلبة ، وفي ضمنه وعيد لمعاصريه ، عليه السلام . والرؤية هنا من رؤية البصر ، وكذبهم نسبتهم إليه تعالى البنات والصاحبة والولد ، وشرعهم ما لم يأذن به الله . والظاهر أنه عام في المكذبين على الله ، وخصه بعضهم بمشركي العرب وبأهل الكتابين . وقال الحسن: هم القدرية يقولون: إن شئنا فعلنا ، وإن شئنا لم نفعل . وقال القاضي: يجب حمل الآية على الكل من المجبرة والمشبهة وكل من وصف شئنا فعلنا ، وإن شئنا لم نفعل . وقال القاضي: يجب حمل الآية على الكل من المجبرة والمشبهة وكل من وصف الله بما لا يليق به نفيًا وإثباتًا ، فأضاف إليه ما يجب أن لا يضاف إليه ، فالكل كذبوا على الله ؛ فتخصيص الآية بالمجبرة والمشبهة واليهود والنصارى لا يجوز .

وقال الزمخشري: ) كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ (: وصفوه بما لا يجوز عليه ، وهو متعال عنه ، فأضافوا إليه الولد والشريك ، وقالوا: ) شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ( ، وقالوا: ) لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ( ، وقالوا: ) وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ( ، قوم يسفهونه بفعل القبائح . ويجوز أن يخلق خلقًا لا لغرض ، وقوله: لا لغرض ، ويظلمونه بتكليف ما لا يطاق ، ويجسمونه بكونه مرئيًا مدركًا بالحاسة ، ويثبتون له يدًا وقدمًا وجنبًا مستترين بالبلكفة ، ويجعلون له أندادًا بإثباتهم معه قدمًا . انتهى ، وكلام من قبله على طريقة المعتزلة . والظاهر أن الرؤية من رؤية البصر ، وأن ) وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ( جملة في موضع الحال ، وفيها رد على الزمخشري ، إذ زعم أن حذف الواو من الجملة الاسمية في موضع المفعول الثاني ، وهو بعيد ، لأن تعلق البصر برؤية الأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلب . وقرىء: وجوههم مسودّة بنصبهما ، فوجوههم بدل بعض من كل . وقرأ أبي: أجوههم ، بإبدال الواو همزة ، والظاهر أن الاسوداد حقيقة ، كما مر في قوله: ) فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ). وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون في العبارة تجوز ، وعبر بالسواد عن ارتداد وجوههم وغالب همهم وظاهر كآبتهم .

ولما ذكر تعالى حال الكاذبين على الله ، ذكر حال المتقين ، أي الكذب على الله وغيره ، مما يؤول بصاحبه إلى اسوداد وجهه ، وفي ذلك الترغيب في هذا الوصف الجليل الذي هو التقوى . قال السدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت