فهرس الكتاب

الصفحة 3632 من 4224

"صفحة رقم 445"

وفي الحديث: ( إن للناس جولة يوم القيامة يندّون ) ، يظنون أنهم يجدون مهربًا ؛ ثم تلا: ) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ( ، قال مجاهد: معناه فارين . وقال السدّي: ) مَا لَكُمْ مّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ( في فراركم حتى تعذبوا في النار . وقال قتادة: ما لكم في الانطلاق إليها من عاصم ، أي مانع ، يمنعكم منها ، أو ناصر . ولما يئس المؤمن من قبولها قال: ) وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ). ثم أخذ يوبخهم على تكذيب الرسل ، بأن يوسف قد جاءهم بالبينات . والظاهر أنه يوسف بن يعقوب ، وفرعون هو فرعون موسى ، وروى أشهب عن مالك أنه بلغه أن فرعون عمر أربعمائة سنة وأربعين سنة . وقيل: بل الجائي إليهم هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب ، وأن فرعون هو فرعون ، غير فرعون موسى . و ) بِالْبَيِّنَاتِ (: بالمعجزات . فلم يزالوا شاكين في رسالته كافرين ، حتى إذا توفى ،( قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا ) . وليس هذا تصديقًا لرسالته ، وكيف وما زالوا في شك منه ، وإنما المعنى: لا رسول من عند الله فيبعثه إلى الخلق ، ففيه نفي الرسول ، ونفي بعثته . وقرىء: ألن يبعث ، بإدخال همزة الاستفهام على حرف النفي ، كأن بعضهم يقرر بعضًا على نفي البعثة . ) كَذالِكَ (: أي مثل إضلال الله إياكم ، أي حين لم تقبلوا من يوسف ، ( يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ(: يعنيهم ، إذ هم المسرفون المرتابون في رسالات الأنبياء .

وجوزوا في )الَّذِينَ يُجَادِلُونَ ( أن تكون صفة لمن ، وبدلًا منه: أي معناه جمع ومبتدأ على حذف مضاف ، أي جدال الذين يجادلون ، حتى يكون الضمير في ) كَبُرَ ( عائدًا على ذلك أولًا ، أو على حذف مضاف ، والفاعل بكبر ضمير يعود على الجدل المفهوم من قوله: ) يُجَادِلُونَ ( ، أو ضمير يعود على من على لفظها ، على أن يكون الذين صفة ، أو بدلًا أعيد أولًا على لفظ من في قوله: ) هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ). ثم جمع الذين على معنى من ، ثم أفرد في قوله: ) كَبُرَ ( على لفظ من . وقال الزمخشري: ويحتمل أن يكون ) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ ( مبتدأ وبغير ) سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ( خبرًا ، وفاعل ) كَبُرَ ( قوله: ) كَذالِكَ ( ، أي ) كَبُرَ مَقْتًا ( مثل ذلك الجدال ، و ) يَطْبَعُ اللَّهُ كَلاَمَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ ( جدالهم ، فقد حذف الفاعل ، والفاعل لا يصح حذفه . انتهى ، وهذا الذي أجازه لا يجوز أن يكون مثله في كلام فصيح ، فكيف في كلام الله ؟ لأن فيه تفكيك الكلام بعضه من بعض ، وارتكاب مذهب الصحيح خلافه . أما تفكيك الكلام ، فالظاهر أن بغير سلطان متعلق بيجادلون ، ولا يتعقل جعله خبرًا للذين ، لأنه جار ومجرور ، فيصير التقدير: ) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِىءايَاتِ اللَّهِ (: كائنونن ، أو مستقرون ، ( بِغَيْرِ سُلْطَانٍ( ، أي في غير سلطان ، لأن الباء إذا ذاك ظرفية خبر عن الجثة ، وكذلك في قوله يطبع أنه مستأنف فيه تفكيك الكلام ، لأن ما جاء في القرآن من ) كَذَلِكَ يَطْبَعُ( ، أو نطبع ، إنما جاء مربوطًا بعضه ببعض ، فكذلك هنا . وأما ارتكاب مذهب الصحيح خلافه ، فجعل الكاف اسمًا فاعلًا بكبر ، وذلك لا يجوز على مذهب البصريين إلا الأخفش ، ولم يثبت في كلام العرب ، أعني نثرها: جاءني كزيد ، تريد: مثل زيد ، فلم تثبت اسميتها ، فتكون فاعلة .

وأما قوله: ومن قال لي آخره ، فإنّ قائل ذلك وهو الحوفي ، والظن به أنه فسر المعنى ولم يرد الإعراب . وأما تفسير الإعراب أن الفاعل بكبر ضمير يعود على الجدال المفهوم من يجادلون ، كما قالوا: من كذب كان شرًا له ، أي كان هو ، أي الكذب المفهوم من كذب . والأولى في إعراب هذا الكلام أن يكون الذين مبتدأ وخبره كبر ، والفاعل ضمير المصدر المفهوم من يجادلون ، وهذه الصفة موجودة في فرعون وقومه ، ويكون الواعظ لهم قد عدل عن مخاطبتهم إلى الاسم الغائب ، لحسن محاورته لهم واستجلاب قلوبهم ، وإبراز ذلك في صورة تذكيرهم ، ولا يفجأهم بالخطاب . وفي قوله: )كَبُرَ مَقْتًا ( ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم والشهادة على خروجه عن حدّ إشكاله من الكبائر . ) كَذالِكَ (: أي مثل ذلك الطبع على قلوب المجادلين ، ( يَطْبَعُ اللَّهُ(: أي يحتم بالضلالة ويحجب عن الهدى . وقرأ أبو عمرو بن ذكوان ، والأعرج ، بخلاف عنه: قلب بالتنوين ، وصف القلب بالتكبر والجبروت ، لكونه مركزهما ومنبعهما ، كما يقولون: رأت العين ، وكما قال: ) وَإِن كُنتُمْ عَلَى ( ، والإثم: الجملة ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت