فهرس الكتاب

الصفحة 3654 من 4224

"صفحة رقم 467"

متقدمًا على خلق السماء ، ودحو الأرض غير خلقها ، وقد تأخر عن خلق السماء ، وقد أورد على هذا أن جعل الرواسي فيها والبركة . وتقدير الأقوات لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض موجودة . وقوله: ) وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْواتَهَا ( مفسر بخلق الأشجار والنبات والحيوان فيها ، ولا يمكن ذلك إلا بعد صيرورتها منبسطة . ثم قال بعد: ) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء ( ، فاقتضى خلق السماء بعد خلق الأرض ودحوها . وأورد أيضًا أن قوله تعالى للسماء وللأرض: ) ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا( ، كناية عن إيجادهما ، فلو سبق إيجاد الأرض على إيجاد السماء لاقتضى إيجاد الموجود بأمره للأرض بالإيجاد ، وهو محال ، وقد انتهى هذا الإيراد .

ونقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض ، وتأول قوله: )ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ ( قبل أن يخلق الأرض ، فأضمر فيه كان ، كما قال تعالى: ) إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ( معناه: إن يكن سرق . انتهى . وقال أبو عبد الله الرازي: فقدر ثم كان قد استوى جمع بين ضدين ، لأن ثم تقتضي التأخر ، وكان تقتضي التقدم ، فالجمع بينهما يفيد التناقض ، ونظيره: ضربت زيدًا اليوم ، ثم ضربت عمرًا أمس . فكما أن هذا باطل ، فكذلك ما ذكر يعني من تأويل ثم كان قد استوى ، قال: والمختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض . وتأويل الآية أن الخلق ليس عبارة عن التكوين ، والإيجاد يدل عليه قوله: ) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ( ، وهذا محال ، لا يقال للشيء الذي وجد كن ، بل الخلق عبارة عن التقدير ، وهو في حقه تعالى حكمه أن سيوجد ، وقضاؤه بذلك بمعنى خلق الأرض في يومين ، وقضاؤه بأن سيحدث كذا ، أي مدة كذا ، لا يقتضي حدوثه ذلك في الحال ، فلا يلزم تقديم إحداث الأرض على إحداث السماء . انتهى .

والذي نقوله: أن الكفار وبخوا وقرعوا بكفرهم بمن صدرت عنه هذه الأشياء جميعها من غير ترتيب زماني ، وأن ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الزمان ، والمهلة كأنه قال: فالذي أخبركم أنه خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ، ثم أخبركم أنه استوى إلى السماء ، فلا تعرض في الآية لترتيب ، أي ذلك وقع الترتيب الزماني له . ولما كان خلق السماء أبدع في القدرة من خلق الأرض ، ألف الأخبار فيه بثم ، فصار كقوله: )ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ ( بعد قوله: ) فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ ). ومن ترتيب الأخبار ) ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ( بعد قوله: ) قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ وَيَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ( ، بعد إخباره بما أخبر به ، تصويرًا لخلقهما على وفق إرادته تعالى ، كقولك: أرأيت الذي أثنيت عليه فقلت إنك عالم صالح ؟ فهذا تصوير لما أثنيت به وتفسير له . فكذلك أخبر بأنه خلق كيت وكيت ، فحد ذلك إيجادًا لم يتخلف عن إرادته . ويدل على أنه المقصود الإخبار بوقوع هذه الأشياء من غير ترتيب زماني قوله في الرعد: ) اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ( الآية ، ثم قال بعد: ) وَهُوَ الَّذِى مَدَّ الاْرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَارًا ( الآية . وظاهر الآية التي نحن فيها جعل الرواسي ، وتقدير الأقوات قبل الاستواء إلى السماء وخلقها ، ولكن المقصود في الآيتين الإخبار بصدور ذلك منه تعالى من غير تعرض لترتيب زماني ، وما جاء من ذلك مقصورًا على يومين أو أربعة أو ستة إنما المعنى في مقدار ذلك عندكم ، لا أنه كان وقت إيجاد ذلك زمان . ) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ (: أي صنعهن وأوجدهن ، كقول ابن أبي ذؤيب: وعليهما مسرودتان قضاهما

داود أو صنع السوابغ تبع

وعلى هذا انتصب سبع على الحال . وقال الحوفي: مفعول ثان ، كأنه ضمن قضاهن معنى صيرهن فعداه إلى مفعولين ، وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ضميرًا مبهمًا سبع سموات على التمييز . ويعني بقوله مبهمًا ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت