فهرس الكتاب

الصفحة 3653 من 4224

"صفحة رقم 466"

متروك يدل عليه الظاهر ، وتقديره: فأوجدها وأتقنها وأكمل أمورها ، وحينئذ ) قَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائْتِيَا ). ورجح قول من ذهب إلى أنهما نطقتا نطقًا حقيقيًا ، وجعل الله لهما حياة وإدراكًا يقتضي نطقهما ، بعد أن ذكر أن المفسرين منهم من ذهب إلى أن ذلك مجاز ، وأنه ظهر منهما عن اختيار الطاعة والتذلل والخضوع ما هو بمنزلة القول ، قال: والقول الأول أحسن ، لأنه لا شيء يدفعه ، وأن العبرة فيه أتم ، والقدرة فيه أظهر . انتهى .

وقال الزمخشري: ويعني أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما أنه أراد تكوينهما ، فلم يمتنعا عليه ، ووجدنا كما أرادهما ، وجاءتا في ذلك كالمأمور المطيع ، إذ أورد عليه فعل الآمر فيه . على أن الله تعالى كلم السماء والأرض وقال لهما: ) ائْتِيَا ( ، شئتما ذلك أو أبيتما ، فقالتا: آتينا على الطوع لا على الكره . والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غيره ، من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب ، ونحوه قول القائل: قال الجدار للوتد: لم تشقني ؟ قال الوتد: سل من يدقني ، فلم يتركني وراء الحجر الذي ورائي . فإن قلت: لم ذكر السماء مع الأرض وانتظمهما في الأمر بالإتيان ، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين ؟ قلت: قد خلق جرم الأرض أولًا غير مدحوة ، ثم دحاها بعد خلق السماء ، كما قال: ) وَالاْرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ( ، فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف ؛ ائت يا أرض مدحوة قرارًا ومهادًا لأهلك ، وائت يا سماء مقببة سقفًا لهم . ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع ، كما يقول: أتى عمله مرضيًا مقبولًا . ويجوز أن يكون المعنى: لتأت كل واحدة صاحبتها الإتيان الذي أريده وتقتضيه الحكمة ، والتدبير من كون الأرض قرارًا للسماء ، وكون السماء سقفًا للأرض ، وينصره قراءة من قرأ: أتيا وأتينا من المواتاة ، وهي الموافقة ، أي لتوات كل واحدة أختها ولتوافقها ، قالتا: وافقنا وساعدنا . ويحتمل وافقًا أمري ومشيئتي ولا تمتنعا . فإن قلت: ما معنى طوعًا أو كرهًا ؟ قلت: هو مثل للزوم تأثير قدرته فيهما ، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال ، كما يقول الجبار لمن يحب بلوه: لتفعلن هذا شئت أو أبيت ، ولتفعلنه طوعًا أو كرهًا . وانتصابهما على الحال بمعنى طائعتين أو مكرهتين . فإن قلت: هلا قيل طائعتين على اللفظ أو طائعتان على المعنى لأنهما سموات وأرضون ؟ قلت: لما جعلت مخاطبات ومجيبات ، ووصفت بالطوع والكره ، قيل: طائعين في موضع طائعات نحو قوله: ساجدين . انتهى . وقرأ الجمهور: ائتيا من الإتيان ، أي ائتيا أمري وإرادتي . وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد: أتيا على وزن فعلا ، قالتا: أتينا على وزن فعلنا ، من آتى يؤتى ، كذا قال ابن عطية ، قال: وذلك بمعنى أعطيا من أنفسكما من الطاعة ما أردته منكما ، والإشارة بهذا كله إلى تسخيرها وما قدره الله من أعمالها . انتهى . وتقدم في كلام الزمخشري أنه جعل هذه القراءة من المواتاة ، وهي الموافقة ، فيكون وزن آتيا: فاعلًا ، وآتينا: فاعلنا ، وتقدمه إلى ذلك أبو الفضل الرازي قال: آتينا بالمد على فاعلنا من المواتاة ، ومعناه: سارعنا على حذف المفعول منه ، ولا يجوز أن يكون من الإيتاء الذي هو الإعطاء لبعد حذف مفعوله . انتهى . وقرأ الأعمش: أو كرهًا بضم الكاف ، والأصح أنه لغة في الإكراه على الشيء الموقوع التخيير بينه وبين الطواعية ، والأكثر أن الكره بالضم معناه المشقة . قال ابن عطية: وقوله قالتا ، أراد الفرقتين المذكورتين: جعل السموات سماء ، والأرضين أرضًا ، وهذا نحو قول الشاعر: ألم يحزنك أن حبال قومي

وقومك قد تباينتا انقطاعًا

وعبر عنها بتباينتا . انتهى . هذا وليس كما ذكر ، لأنه إنما تقدم ذكر الأرض مفردة والسماء مفرد لحسن التعبير عنهما بالتثنية ، والبيت هو من وضع الجمع موضع التثنية ، كأنه قال: ألم يحزنك أن حبلي قومي وقومك ؟ ولذلك ثنى في قوله: تباينتا ، وأنث على معنى الحبل ، لأنه لا يريد به الحبل حقيقة ، إنما عنى به الذمة والمودة التي كانت بين قومهما .

والظاهر من هذه الآية أنه خلق الأرض وجعل فيها الرواسي وبارك فيها ، ثم أوجد السماء من الدخان فسواها سبع سموات ، فيكون خلق الأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت