فهرس الكتاب
"صفحة رقم 494"
ولده ، فقال الله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا أن تودّوني في قرابتي منكم ، فارعوا ما بيني وبينكم وصدقوني . وقال عكرمة: وكانت قريش تصل أرحامها . وقال الحسن: المعنى إلا أن تتودّدوا إلى الله بالتقرّب إليه . وقال عبد الله بن القاسم: إلا أن يتودّد بعضكم إلى بعض وتصلوا قراباتكم .
روي أن شبابًا من الأنصار فاخروا المهاجرين وصالوا بالقول ، فنزلت على معنى: أن لا تؤذوني في قرابتي وتحفظوني فيهم . وقال بهذا المعنى عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، واستشهد بالآية حين سيق إلى الشام أسيرًا ، وهو قول ابن جبير والسدي وعمرو بن شعيب ، وعلى هذا التأويل قال ابن عباس: قيل يا رسول الله: من قرابتك الذين أمرنا بمودّتهم ؟ فقال: ( عليّ وفاطمة وابناهما ) . وقيل: هم ولد عبد المطلب . والظاهر أن قوله: ) إِلاَّ الْمَوَدَّةَ ( استثناء منقطع ، لأن المودّة ليست أجرًا . وقال الزمخشري: يجوز أن يكون استثناء متصلًا ، أي لا أسألكم عليه أجرًا إلا هذا أن تودّوا أهل قرابتي ، ولم يكن هذا أجرًا في الحقيقة ، لأن قرابته قرابتهم ، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة . وقال: فإن قلت: هلا قيل إلا مودّة القربى ، أو إلا المودّة للقربى ؟ قلت: جعلوا مكانًا للمودة ومقرًّا لها ، كقولك: لي في آل فلان مودّة ، ولي فيهم هوى وحب شديد ، تريد: أحبهم وهم مكان حبي ومحله . وليست في صلة للمودّة كاللام ، إذا قلت إلا المودّة للقربى ، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس ، وتقديره: إلا المودّة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها . انتهى ، وهو حسن وفيه تكثير . وقرأ زيد بن عليّ ؛ إلا مودّة ؛ والجمهور: إلا المودّة .
( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً (: أي يكتسب ، والظاهر عموم الحسنة عموم البدل ، فيندرج فيها المودّة في القربى وغيرها . وعن ابن عباس والسدي ، أنها المودّة في آل رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقرأ الجمهور: ) نَزِدْ ( بالنون ؛ وزيد بن عليّ ، وعبد الوارث عن أبي عمرو ، وأحمد بن جبير عن الكسائي: يزد بالياء ، أي يزد الله . والجمهور: ) حَسَنًا ( بالتنوين ؛ وعبد الوارث عن أبي عمرو: حسنى بغير تنوين ، على وزن رجعي ، وزيادة حسنها: مضاعفة أجرها . ) أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ (: ساتر عيوب عباده ، ( شَكُورٍ (: مجاز على الدقيقة ، لا يضيع عنده عمل العامل . وقال السدي: غفور لذنوب آل محمد عليه السلام ، شكور لحسناتهم .
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا(: أضرب عن الكلام المتقدم من غير إبطال ، واستفهم استفهام إنكار وتوبيخ على هذه المقالة ، أي مثله لا ينسب إليه الكذب على الله ، مع اعترافكم له قبل بالصدق والأمانة . ) فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ( ، قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم ، حتى لا يشق عليك قولهم: إنك مفتر . وقال قتادة وجماعة: ) يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ(: ينسيك القرآن ، والمراد الرد على مقالة الكفار وبيان إبطالها ، وذلك كأنه يقول: وكيف يصح أن تكون مغتريات وأنت من الله بمرأى ومسمع وهو قادر: ولو شاء أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك ؟ فمقصد اللفظ هذا المعنى ، وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصار واقتصار . انتهى . هكذا أو رد هذا التأويل عن قتادة ابن عطية ، وفي ألفاظه فظاظة لا تليق أن تنسب للأنبياء . وقال الزمخشري: عن قتادة: ينسيك القرآن وينقطع عنك الوحي ، يعني لو افترى على الله الكذب لفعل به ذلك . انتهى . وقال الزمخشري أيضًا: فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفتري عليه الكذب ، فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم ، وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله ، وأنه في البعد مثل الشرك بالله والدخول في جملة المختوم على قلوبهم . ومثال هذا أن يخون بعض الأمناء فيقول: لعل الله خذلني ، لعل الله أعمي قلبي ، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمي القلب ، وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله ، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم .
ثم قال: ومن عادة الله أن يمحو الباطل ويثبت الحق بوحيه أو بقضائه لقوله: )بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ( ، يعني: لو كان مفتريًا ، كما يزعمون ، لكشف الله افتراءه ومحقه ، وقذف بالحق على الباطل فدمغه . انتهى . وقيل: المعنى لو افتريت على الله ، لطبع على قلبك حتى لا تقدر على حفظ القرآن