فهرس الكتاب

الصفحة 3704 من 4224

"صفحة رقم 14"

عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( ، فقال: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق ، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد . وأراد بذلك الإطناب في تعييرهم ، لأنه إذا متعهم بزيادة النعم ، وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببًا في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان ، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادًا ، فمثاله: أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه ، ثم يقبل على نفسه فيقول: أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك ، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله . فإن قلت: قد جعل مجيء الحق والرسول غاية للتمتيع ،

الزخرف: ( 30 - 31 ) ولما جاءهم الحق . . . . .

ثم أردفه قوله: ) وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَاذَا سِحْرٌ ( ، فما طريقة هذا النظم ومؤداه ؟ قلت: المراد بالتمتيع: ما هو سبب له ، وهو اشتغالهم بالاستمتاع عن التوحيد ومقتضياته . فقال عز وعلا: بل اشتغلوا عن التوحيد ) حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ( ، فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها عن غفلتهم لاقتضائها التنبه .

ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق فقال: )وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ ( ، جاءوا بما هو شر من غفلتهم التي كانوا عليها ، وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ، ومكابرة الرسول ومعاداته ، والاستخفاف بكتاب الله وشرائعه ، والإصرار على أفعال الكفرة ، والاحتكام على حكمة الله في تخير محمد( صلى الله عليه وسلم ) ) من أهل زمانه بقولهم: ) لَوْلاَ نُزّلَ هَاذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( ، وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم . انتهى ، وهو حسن لكن فيه إسهاب . والضمير في: وقالوا ، لقريش ، كانوا قد استبعدوا أن يرسل الله من البشر رسولًا ، فاستفاض عندهم أمر إبراهيم وموسى وعيسى ، وغيرهم من الرسل صلى الله عليهم . فلما لم يكن لهم في ذلك مدفع ، ناقضوا فيما يخص محمدًا( صلى الله عليه وسلم ) ) فقالوا: لم كان محمدًا ، ولم يكن القرآن ينزل على رجل من القريتين عظيم ؟ أشاروا إلى من عظم قدره بالسن والقدم والجاه وكثرة المال . وقرىء: على رجل ، بسكون الجيم . من القريتين: أي من إحدى القريتين . وقيل: من رجل القريتين ، وهما مكة والطائف . قال ابن عباس: والذي من مكة: الوليد بن المغيرة المخزومي ، ومن الطائف: حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي . وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة ، وكنانة بن عبد ياليل . وقال قتادة: الوليد بن المغيرة ، وعروة بن مسعود الثقفي . قال قتادة: بلغنا أنه لم يبق فخذ من قريش إلا ادعاه ، وكان الوليد بن المغيرة يسمى ريحانة قريش ، وكان يقول: لو كان ما يقول محمد حقًا لنزل عليّ أو على ابن مسعود ، يعني عروة بن مسعود ، وكان يكنى أبا مسعود .

الزخرف: ( 32 ) أهم يقسمون رحمة . . . . .

( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ( ؟ فيه توبيخ وتعجيب من جهلهم ، كأنه قيل: على اختيارهم وإرادتهم تقسم الفضائل من النبوة وغيرها . ثم في إضافته في قوله: ) رَحْمَةِ رَبّكَ ( ، تشريف له( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وأن هذه الرحمة التي حصلت لك ليست إلا من ربك المصلح لحالك والمربيك . ثم أخبر تعالى أنه هو الذي قسم المعيشة بينهم ، فلم يحصل لأحد إلا ما قسمه تعالى . وإذا كان هو الذي تولى ذلك ، وفاوت بينهم ، وذلك في الأمر الفاني ، فكيف لا يتولى الأمر الخطير ، وهو إرسال من يشاء ، فليس لكم أن تتخيروا من يصلح لذلك ، بل أنتم عاجزون عن تدبير أموركم . وقرأ الجمهور: معيشتهم ، على الإفراد ؛ وعبد الله ، والأعمش ، وابن عباس ، وسفيان: معائشهم ، على الجمع . والجمهور: سخريًا ، بضم السين ؛ وعمرو بن ميمون ، وابن محيصن ؛ وابن أبي ليلى ، وأبو رجاء ، والوليد بن مسلم ، وابن عامر: بكسرها ، وهو من التسخير ، بمعنى: الاستعباد والاستخدام ، ليرتفق بعضهم ببعض ويصلوا إلى منافعهم . ولو تولى كل واحد جميع أشغاله بنفسه ، ما أطاق ذلك وضاع وهلك . ويبعد أن يكون سخريًا هنا من الهزء ، وقد قال بعضهم: أي يهزأ الغني بالفقير . وفي قوله: ) نَحْنُ قَسَمْنَا ( ، تزهيد في الإكباب على طلب الدنيا ، وهون على التوكل على الله . وقال مقاتل: فاضلنا بينهم ، فمن رئيس ومرؤوس . وقال قتادة: تلقى ضعيف القوة ، قليل الحيلة ، غني اللسان ، وهو مبسوط له ؛ وتلقى شديد الحيلة ، بسيط اللسان ، وهو مقتر عليه . وقال الشافعي ، رحمه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت