فهرس الكتاب

الصفحة 3733 من 4224

"صفحة رقم 43"

الرازي: وقوله: ) العَزِيزُ الحَكِيمُ ( ، يجوز جعله صفة لله ، فيكون ذلك حقيقة ؛ ) وَأَنْ جَعَلْنَاهُ ( صفة للكتاب ، كان ذلك مجازًا ؛ والحقيقة أولى من المجاز ، مع أن زيادة القرب توجب الرجحان . انتهى . وهذا الذي ردّد في قوله: ) وَأَنْ جَعَلْنَاهُ ( صفة للكتاب لا يجوز . لو كان صفة للكتاب لوليه ، فكان يكون التركيب: تنزيل الكتاب العزيز الحكيم من الله ، لأن من الله ، إما أن يكون متعلقًا بتنزيل ، وتنزيل خبر لحم ، أو لمبتدأ محذوف ، فلا يجوز الفصل به بين الصفة والموصوف ، لا يجوز أعجبني ضرب زيد سوط الفاضل ؛ أو في موضع الخبر ، وتنزيل مبتدأ ، فلا يجوز الفصل بين الصفة والموصوف أيضًا ، لا يجوز ضرب زيد شديد الفاضل ، والتركيب الصحيح في نحو هذا أن يلي الصفة موصوفها .

الجاثية: ( 3 - 4 ) إن في السماوات . . . . .

( إِنَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ( ، احتمل أن يريد: في خلق السموات ، كقوله: ) وَفِى خَلْقِكُمْ ( ، والظاهر أنه لا يراد التخصيص بالخلق ، بل في السموات والأرض على الإطلاق والعموم ، أي في أي شيء نظرت منهما من خلق وغيره ، من تسخير وتنوير وغيرهما ، ( لاَيَاتٍ(: لم يأت بالآيات مفصلة ، بل أتى بها مجملة ، إحالة على غوامض يثيرها الفكر ويخبر بكثير منها الشرع . وجعلها ) لِلْمُؤْمِنِينَ ( ، إذ في ضمن الإيمان العقل والتصديق . ) وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ( ، أي في غير جنسكم ، وهو معطوف على: ) وَفِى خَلْقِكُمْ ). ومن أجاز العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ، أجاز في ) وَمَا يَبُثُّ ( أن يكون معطوفًا على الضمير ) فِى خَلَقَكُمْ ( ، وهو مذهب الكوفيين ، ويونس ، والأخفش ؛ وهو الصحيح ، واختاره الأستاذ أبو علي الشلوبين . وقال الزمخشري: يقبح العطف عليه ، وهذا تفريع على مذهب سيبويه وجمهور البصريين ، قال: وكذلك أن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد . انتهى . وهذا يجيزه الجرمي والزيباري في الكلام ، وقال: ) لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (: وهم الذين لهم نظر يؤديهم إلى اليقين .

الجاثية: ( 5 ) واختلاف الليل والنهار . . . . .

( وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ(: تقدم الكلام على نظيره في سورة البقرة . وقرأ الجمهور: آيات ، جمعًا بالرفع فيهما ؛ والأعمش ، والجحدري ، وحمزة ، والكسائي ، ويعقوب: بالنصب فيهما ؛ وزيد بن علي ؛ برفعهما على التوحيد . وقرأ أبي ، وعبد الله: لآيات فيهما ، كالأولى . فأما: ) لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تَلْكَ ( رفعًا ونصبًا ، فاستدل به وشبهه مما جاء في كلام الأخفش ، ومن أخذ بمذهبه على عطف معمولي عاملين بالواو ، وهي مسألة فيها أربعة مذاهب ، ذكرناها في( كتاب التذييل والتكميل لشرح التسهيل ) . فأما ما يخص هذه الآية ، فمن نصب آيات بالواو عطفت ، واختلاف على المجرور بفي قبله وهو: ) وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ ( ، وعطف آيات على آيات ، ومن رفع فكذلك ، والعاملان أولاهما إن وفي ، وثانيهما الابتداء وفي . وقال الزمخشري: أقيمت الواو مقامهما ، فعملت الجر ، واختلاف الليل والنهار والنصب في آيات ، وإذا رفعت والعاملان الابتداء ، وفي عملت الرفع للواو ليس بصحيح ، لأن الصحيح من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل ؛ ومن منع العطف على مذهب الأخفش ، أضمر حرف الجر فقدر . وفي اختلاف ، فالعمل للحرف مضمرًا ، ونابت الواو مناب عامل واحد ؛ ويدل على أن في مقدرة قراءة عبد الله: وفي اختلاف ، مصرحًا وحسن حذف في تقدمها في قوله: ) وَفِى خَلْقِكُمْ ( ؛ وخرج أيضًا النصب في آيات على التوكيد لآيات المتقدمة ، ولإضمار حرف في وقرىء واختلاف بالرفع على خبر مبتدأ محذوف ، أي هي آيات ولإضمار حرف أيضًا . وقرأ: واختلاف الليل والنهار آية بالرفع في اختلاف ، وفي آية موحدة ؛ وكذلك ) وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ). وقرأ زيد بن علي ، وطلحة ، وعيسى: ) وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ ).

وقال الزمخشري: والمعنى أن المنصفين من العباد ، إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح ، علموا أنها مصنوعة ، وأنه لا بد لها من صانع ، فآمنوا بالله وأقروا . فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة إلى هيئة ، في خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان ، ازدادوا إيمانًا وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس . فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت ، كاختلاف الليل والنهار ، ونزول الأمطار ، وحياة الأرض بها بعد موتها ، وتصريف الرياح جنوبًا وشمالًا وقبولًا ودبورًا ، عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم . وقال أبو عبد الله الرازي: ذكر في البقرة ثمانية دلائل ، وهنا ستة ؛ لم يذكر الفلك والسحاب ، والسبب في ذلك أن مدار الحركة للفلك والسحاب على الرياح المختلفة ، فذكر الرياح ؛ وهناك جعل مقطع الثمانية واحدًا ، وهنا رتبها على مقاطع ثلاثة: يؤمنون ، يوقنون ، يعقلون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت