"صفحة رقم 44"
قال: وأظن سبب هذا الترتيب: ) إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ، فافهموا هذه الدلائل ؛ فإن لم تكونوا مؤمنين ولا موقنين ، فلا أقل أن تكونوا من العاقلين ، فاجتهدوا . وقال هناك: ) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ ( ، وهنا: ) فِي السَّمَاوَاتِ ( ، فدل على أن الخلق غير المخلوق ، وهو الصحيح عند أصحابنا ، ولا تفارق بين أن يقال: في السموات ، وفي خلق السموات . انتهى ، وفيه تلخيص وتقدم وتأخير .
الجاثية: ( 6 ) تلك آيات الله . . . . .
( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ(: أي تلك الآيات ، وهي الدلائل المذكورة ؛ ) نَتْلُوهَا (: أي نسردها عليك ملتبسة بالحق ، ونتلوها في موضع الحال ، أي متلوة . قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإشارة ونحوه ، وهذا بعلى شيخًا . انتهى ، وليس نحوه ، لأن في وهذا حرف تنبيه . وقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه ، أي تنبه . وأما تلك ، فليس فيها حرف تنبيه عاملًا بما فيه من معنى التنبيه ، لأن الحرف قد يعمل في الحال: تنبه لزيد في حال شيخه وفي حال قيامه . وقيل: العامل في العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى ، أي انظر إليه في حال شيخه ، فلا يكون اسم الإشارة عاملًا ولا حرف التنبيه ، إن كان هناك . وقال ابن عطية: نتلوها ، فيه حذف مضاف ، أي نتلو شأنها وشرح العبرة بها . ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذه المعاني ، فلا يكون في نتلوها حذف مضاف . انتهى . ونتلوها معناه: يأمر الملك أن نتلوها . وقرىء: يتلوها ، بياء الغيبة ، عائدًا على الله ؛ وبالحق: بالصدق ، لأن صحتها معلومة بالدلائل العقلية .
( فَبِأَىّ حَدِيثٍ( الآية ، فيه تقريع وتوبيخ وتهديد ؛ ) بَعْدِ اللَّهِ (: أي بعد حديث الله ، وهو كتابه وكلامه ، كقوله: ) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا ( ؛ وقال: فبأي حديث بعده يؤمنون ( ؛ أي بعد حديث الله وكلامه . وقال الضحاك: بعد توحيد الله . وقال الزمخشري: بعد الله وآياته ، أي بعد آيات الله ، كقولهم: أعجبني زيد وكرمه ، يريدون: أعجبني كرم زيد . انتهى . وهذا ليس بشيء ، لأن فيه من حيث المعنى إقحام الأسماء من غير ضرورة ؛ والعطف والمراد غير العطف من إخراجه إلى باب البدل ، لأن تقدير كرم زيد إنما يكون في: أعجبني زيد كرمه ، بغير واو على البدل ؛ وهذا قلب لحقائق النحو . وإنما المعنى في: أعجبني زيد وكرمه ، أن ذات زيد أعجبته ، وأعجبه كرمه ؛ فهما إعجابان لا إعجاب واحد ، وقد رددنا عليه مثل قوله هذا فيما تقدم . وقرأ أبو جعفر ، والأعرج ، وشيبة ، وقتادة ، والحرميان ، وأبو عمرو ، وعاصم في رواية: يؤمنون ، بالياء من تحت ؛ والأعمش ، وباقي السبعة: بتاء الخطاب ؛ وطلحة: توقنون بالتاء من فوق ، والقاف من الإيقان .
( ( ؛ أي بعد حديث الله وكلامه . وقال الضحاك: بعد توحيد الله . وقال الزمخشري: بعد الله وآياته ، أي بعد آيات الله ، كقولهم: أعجبني زيد وكرمه ، يريدون: أعجبني كرم زيد . انتهى . وهذا ليس بشيء ، لأن فيه من حيث المعنى إقحام الأسماء من غير ضرورة ؛ والعطف والمراد غير العطف من إخراجه إلى باب البدل ، لأن تقدير كرم زيد إنما يكون في: أعجبني زيد كرمه ، بغير واو على البدل ؛ وهذا قلب لحقائق النحو . وإنما المعنى في: أعجبني زيد وكرمه ، أن ذات زيد أعجبته ، وأعجبه كرمه ؛ فهما إعجابان لا إعجاب واحد ، وقد رددنا عليه مثل قوله هذا فيما تقدم . وقرأ أبو جعفر ، والأعرج ، وشيبة ، وقتادة ، والحرميان ، وأبو عمرو ، وعاصم في رواية: يؤمنون ، بالياء من تحت ؛ والأعمش ، وباقي السبعة: بتاء الخطاب ؛ وطلحة: توقنون بالتاء من فوق ، والقاف من الإيقان .
الجاثية: ( 7 - 11 ) ويل لكل أفاك . . . . .
( وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ( ، قيل: نزلت في أبي جهل ؛ وقيل: في النضير بن الحارث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن . والآية عامة فيمن كان مضارًا لدين الله ؛ وأفاك أثيم ، صفتا مبالغة ؛ وألفاظ هذه الآية تقدم الكلام عليها . وقرأ الجمهور: علم ؛ وقتادة ومطر الوراق: بضم العين وشد اللام ؛ مبنيًا للمفعول ، أي عرف . وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى: ثم ، في قوله: ) ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا( ؟ قلت: كمعناه في قول القائل:
يرى غمرات الموت ثم يزورها
وذلك بأن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائبها بنفسه ويطلب الفرار منها ، وأما زيارتها والإقدام على مزاولتها ، فأمر مستبعد . فمعنى ثم: الإيذان بأن فعل المقدم عليها ، بعدما رآها وعاينها ، شيء يستبعد في العادة والطباع ، وكذلك آيات الله الواضحة القاطعة بالحق ، من تليت عليه وسمعها ، كان مستبعدًا في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها . )اتَّخَذَهَا هُزُوًا ( ، ولم يقل: اتخذه ، إشعارًا بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله على محمد( صلى الله عليه وسلم ) ) ، خاض في الاستهزاء بجميع الآيات ، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه . وقال الزمخشري: ويحتمل ) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءايَاتِنَا شَيْئًا ( ، يمكن أن يتشبث به المعاند ويجعله محملًا يتسلق به على الطعن والغميزة ، افترضه واتخذ آيات الله هزوًا