فهرس الكتاب

الصفحة 3738 من 4224

"صفحة رقم 48"

والعدم . وجوز في انتصاب سواء وجهين: أحدهما: أن يكون منصوبًا على الحال ، وكالذين المفعول الثاني ، والعكس . وقرأ الأعمش: سواء بالنصب ، محياهم ومماتهم بالنصب أيضًا ، وخرج على أن يكون محياهم ومماتهم ظرفي زمان ، والعامل ، إما أن نجعلهم ، وإما سواء ، وانتصب على البدل من مفعول نجعلهم ، والمفعول الثاني سواء ، أي أن يجعل محياهم ومماتهم سواء . وقال الزمخشري: ومن قرأ ومماتهم بالنصب ، جعل محياهم ومماتهم ظرفين ، كمقدم الحاج وخفوق النجم ، أي سواء في محياهم وفي مماتهم ، والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيًا ، وأن يستووا مماتًا ، لافتراق أحوالهم وتمثيله بقوله: وخفوق النجم ليس بجيد ، لأن خفوق مصدر ليس على مفعل ، فهو في الحقيقة على حذف مضاف ، أي وقت خفوق النجم ، بخلاف محيا وممات ومقدم ، فإنها تستعمل بالوضع مصدرًا واسم زمان واسم مكان ، فإذا استعملت اسم مكان أو اسم زمان ، لم يكن ذلك على حذف مضاف قامت هذه مقامه ، لأنها موضوعة للزمان وللمكان ، كما وضعت للمصدر ؛ فهي مشتركة بين هذه المدلولات الثلاثة ، بخلاف خفوق النجم ، فإنه وضع للمصدر فقط .

وقد خلط ابن عطية في نقل القرآن ، وله بعض عذر . فإنه لم يكن معربًا ، فقال: وقرأ طلحة بن مصرف ، وعيسى بخلاف عنه: سواء بالنصب ، محياهم ومماتهم بالرفع ، وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ، والأعمش: سواء بالنصب ، محياهم ومماتهم بالنصب ؛ ووجه كلًا من القراءتين على ما تقتضيه صنعة الإعراب ، وتبعه على هذا الوهم صاحب التحرير ، وهو معذور ، لأنه ناسخ من كتاب إلى كتاب ؛ والصواب ما استبناه من القراءات لمن ذكرنا . ويستنبط من هذه الآية تباين حال المؤمن العاصي من حال الطائع ، وإن كانت في الكفار ، وتسمى مبكاة العابدين . وعن تميم الداري ، رضي الله عنه ، أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام ، فبلغ هذه الآية ، فجعل يبكي ويردد إلى الصباح: ) سَاء مَا يَحْكُمُونَ ). وعن الربيع بن خيثم ، أنه كان يردّدها ليلة أجمع ، وكذلك الفضيل بن عياض ، كان يقول لنفسه: ليت شعري من أي الفريقين أنت ؟ وقال ابن عطية: وأما لفظها فيعطي أنه اجتراح الكفر ، بدليل معادلته بالإيمان ؛ ويحتمل أن تكون المعادلة هي بالاجتراح وعمل الصالحات ، ويكون الإيمان في الفريقين ، ولهذا بكى الخائفون .

( سَاء مَا يَحْكُمُونَ(: هو كقوله: ) بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ ( ، وتقدم إعرابه في البقرة . وقال ابن عطية: هنا ما مصدرية ، والتقدير: ساء الحكم حكمهم . ) بِالْحَقّ (: بأن خلقها حق ، واجب لما فيه من فيض الخيرات ، وليدل عليه دلالة الصنعة على الصانع . ) ولتجزي (: هي لام كي معطوفة على بالحق ، لأن كلاًّ من التاء واللام يكونان للتعليل ، فكان الخلق معللًا بالجزاء . وقال الزمخشري: أو على معلل محذوف تقديره: ليدل بها على قدرته ،( بِالْحَقّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ ) . وقال ابن عطية: ويحتمل أن تكون لام الصيرورة ، أي فصار الأمر منها من حيث اهتدى بها قوم وضل عنها آخرون ، لأن يجازي كل واحد بعمله ، وبما اكتسب من خير أو شر . انتهى .

الجاثية: ( 23 ) أفرأيت من اتخذ . . . . .

( أَفَرَأَيْتَ( الآية ، قال مقاتل: نزلت في الحرث بن قيس السهمي ، وأفرأيت: هو بمعنى أخبرني ، والمفعول الأول هو: ) مَنِ اتَّخَذَ ( ، والثاني محذوف تقديره بعد الصلاة التي لمن اهتدى ، يدل عليه قوله بعد: ) فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ( ، أي لا أحد يهديه من بعد إضلال الله إياه . ) مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ هَوَاهُ (: أي هو مطواع لهوى نفسه ، يتبع ما تدعوه إليه ، فكأنه يعبده ، كما يعبد الرجل إلهه . قال ابن جبير ، إشارة إلى الأصنام: إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة . وقال قتادة: لا يهوى شيئًا إلا ركبه ، لا يخاف الله ، فلهذا يقال: الهوى إله معبود . وقرأ الأعرج ، وأبو جعفر: آلهة ، بتاء التأنيث ، بدل من هاء الضمير . وعن الأعرج أنه قرأ: آلهة على الجمع . قال ابن خالويه: ومعناه أن أحدهم كان يهوى الحجر فيعبده ، ثم يرى غيره فيهواه ، فيلقى الأول ، فكذلك قوله: ) إِلَاهَهُ هَوَاهُ ( الآية . وإن نزلت في هوى الكفر ، فهي متناولة جميع هوى النفس الأمارة . قال ابن عباس: ما ذكر الله هوى إلاّ ذمه . وقال وهب: إذا شككت في خبر أمرين ، فانظر أبعدهما من هواك فأته . وقال سهل التستري: هواك داؤك ، فإن خالفته فدواؤك . وفي الحديث:( والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) . ومن حكمه الشعر قول عنترة ، وهو جاهلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت