"صفحة رقم 63"
( سقط: وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا يستهزئون )
الأحقاف: ( 20 ) ويوم يعرض الذين . . . . .
( وَيَوْمَ يُعْرَضُ(: أي يعذب بالنار ، كما يقال: عرض على السيف ، إذا قتل به . والعرض: المباشرة ، كما تقول: عرضت العود على النار: أي باشرت به النار . وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد عرض النار عليهم من قولهم: عرضت الناقة على الحوض ، يريدون عرض الحوض عليها ، فقلبوا . ويدل عليه تفسير ابن عباس: يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها . انتهى . ولا ينبغي حمل القرآن على القلب ، إذ الصحيح في القلب أنه مما يضطر إليه في الشعر . وإذا كان المعنى صحيحًا واضحًا مع عدم القلب ، فأي ضرورة ندعو إليه ؟ وليس في قولهم: عرضت الناقة على الحوض ، ولا في تفسير ابن عباس ما يدل على القلب ، لأن عرض الناقة على الحوض ، وعرض الحوض على الناقة ، كل منهم صحيح ؛ إذ العرض أمر نسبي يصح إسناده لكل واحد من الناقة والحوض . وقرأ الجمهور: أذهبتم على الخبر ، أي فيقال لهم: أذهبتم ، ولذلك حسنت الفاء في قوله: ) فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ). وقرأ قتادة ، ومجاهد ، وابن وثاب ، وأبو جعفر ، والأعرج ، وابن كثير: بهمزة بعدها مدة مطولة ، وابن عامر ، بهمزتين حققهما ابن ذكوان ، ولين الثانية هشام ، وابن كثير في رواية . وعن هشام: الفصل بين المحققة والملينة بألف ، وهذا الاستفهام هو على معنى التوبيخ والتقرير ، فهو خبر في المعنى ، فلذلك حسنت الفاء ، ولو كان استفهامًا محضًا لم تدخل الفاء . والطيبات هنا: المستلذات من المآكل والمشارب والملابس والمفارش والمراكب والمواطىء ، وغير ذلك مما يتنعم به أهل الرفاهية .
وهذه الآية محرضة على التقلل من الدنيا ، وترك التنعم فيها ، والأخذ بالتقشف ، وما يجتزي به رمق الحياة عن رسول الله في ذلك ما يقتضي التأسي به . وعن عمر في ذلك أخبار تدل على معرفته بأنواع الملاذ ، وعزة نفسه الفاضلة عنها . أتظنون أنا لا نعرف خفض العيش ؟ ولو شئت لجعلت أكبادًا وصلاء وصلائق ، ولكن استبقي حسناني ؛ فإن الله عز وجل وصف أقوامًا فقال: ) أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ ). والصلاء الشواء والصفار المتخذ من الخردل والزبيب ، والصلائق: الخبز الرقاق العريض . قال ابن عباس: وهذا من باب الزهد ، وإلا فالآية نزلت في كفار قريش ؛ والمعنى: أنه كانت تكون لكم طيبات الآخرة لو آمنتم ، لكنكم لم تؤمنوا ، فاستعجلتم طيباتكم في الحياة الدنيا . فهذه كناية عن عدم الإيمان ، ولذلك نزلت عليه: ) فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ( ؛ ولو أريد الظاهر ، ولم يكن كناية عن ما ذكرنا ، لم يترتب عليه الجزاء بالعذاب . وقرىء: الهوان ، وهو والهون بمعنى واحد ثم بين تلك الكناية بقوله: ) بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (: أي تترفعون عن الإيمان ؛ ) وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ (: أي بمعاصي الجوارح وقدم ذنب القلب ، وهو الاستكبار على ذنب الجوارح ؛ إذ أعمال الجوارح ناشئة عن مراد القلب .
الأحقاف: ( 21 ) واذكر أخا عاد . . . . .
ولما كان أهل مكة مستغرقين في لذات الدنيا ، معرضين عن الإيمان وما جاء به الرسول ، ذكرهم بما جرى للعرب الأولى ، وهم قوم عاد ، وكانوا أكثر أموالًا وأشد قوة وأعظم جاهًا فيهم ، فسلط عليهم العذاب بسبب كفرهم ، وضرب الأمثال . وقصص من تقدم تعرف بقبح الشيء وتحسينه ، فقال لرسوله: واذكر لقومك ، أهل مكة ، هودًا عليه السلام ، ( إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ( عادًا عذبهم الله ) بِالاْحْقَافِ ). قال ابن عباس: واد بين عمان ومهرة . وقال ابن إسحاق: من عمان إلى حضرموت . وقال ابن زيد: رمال مشرقة بالشحر من اليمن . وقيل: بين مهرة وعدن . وقال قتادة: هي بلاد الشحر المواصلة للبحر اليماني . وقال ابن عباس: هي جبل بالشام . قال ابن عطية: والصحيح أن بلاد عاد كانت باليمن ، ولهم كانت ) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ( ، وفي ذكر هذه القصة اعتبار لقريش وتسلية للرسول ، إذ كذبه قومه ، كما كذبت عاد هودًا عليه السلام . والجملة من قوله: ) وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ (: وهو جمع نذير ، ( مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ( ، يحتمل أن تكون حالًا من الفاعل في: ) النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ( ، وهم الرسل الذين تقدموا زمانه ، ومن خلفه الرسل الذين كانوا في زمانه ، ويكون على هذا معنى ) وَمِنْ خَلْفِهِ (: أي من بعد