"صفحة رقم 85"
جملتي استئناف ، أخبر أولًا بقوله: ) أَنتُمْ الاْعْلَوْنَ ( ، فهو إخبار بمغيب أبرزه الوجود ، ثم ارتقى إلى رتبة أعلى من التي قبلها ، وهي كون الله تعالى معهم . ) وَلَن يَتِرَكُمْ ( ، قال ابن عباس: ولن يظلمكم ؛ وقيل: لن يعريكم من ثواب أعمالكم ؛ وقيل: ولين ينقصكم . وقال الزمخشري ، وقال أبو عبيد: ) وَلَن يَتِرَكُمْ (: من وترت الرجل ، إذا قتلت له قتيلًا من ولد أو أخ أو حميم أو قريب ؛ قال: أو ذهبت بماله ؛ قال: أو حربته ، وحقيقته أفردته من قريبه أو ماله من الوتر وهو الفرد . فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر ، وهو من فصيح الكلام ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:( من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) ، أي أفرد عنهما قتلًا ونهبًا .
محمد: ( 36 ) إنما الحياة الدنيا . . . . .
( إِنَّمَا الْحَيَواةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ(: وهو تحقير لأثر الدنيا ، أي فلا تهنوا في الجهاد . وأخبر عنها بذلك ، باعتبار ما يختص بها من ذلك ؛ وأما ما فيها من الطاعة وأمر الآخرة فليس بذلك . ) يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ (: أي ثواب أعمالكم من الإيمان والتقوى ،( وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ ) . قال سفيان بن عيينة: أي كثيرًا من أموالكم ، إنما يسألكم ربع العشر ، فطيبوا أنفسكم . وقيل: لا حاجة إليها ، بل يرجع ثواب إنفاقكم إليكم . وقيل: إنما يسألكم أمواله ، لأنه هو المالك لها حقيقة ، وهو المنعم بإعطائها . وقيل: الضمير في يسألكم للرسول ، أي لا يسألكم أجرًا على تبليغ الرسالة ، كما قال: ) قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلّفِينَ ).
محمد: ( 37 ) إن يسألكموها فيحفكم . . . . .
( ؤإِن يَسْئَلْكُمُوهَا جَمِيعًا فَيُحْفِكُمْ(: أي يبالغ في الإلحاح . ) تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (: أي تطعنون على الرسول وتضيق صدوركم كذلك ، وتخفون دين يذهب بأموالكم . وقرأ الجمهور: ويخرج أضغانكم جزمًا على جواب الشرط ، والفعل مسند إلى الله ، أو إلى الرسول ، أو إلى البخل . وقرأ عبد الوارث ، عن أبي عمرو: ويخرج ، بالرفع على الاستئناف بمعنى: وهو يخرج . وحكاها أبو حاتم ، عن عيسى ؛ وفي اللوامح عن عبد الوارث ، عن أبي عمرو: وتخرج ، بالتاء وفتحها وضم الراء والجيم ؛ أضغانكم: بالرفع ، بمعنى: وهو يخرج أو سيخرج أضغانكم ، رفع بفعله . وقرأ ابن عباس ، ومجاهد ، وابن سيرين ، وابن محيصن ، وأيوب بن المتوكل ، واليماني: وتخرج ، بتاء التأنيث مفتوحة ؛ أضغانكم: رفع به ؛ ويعقوب: ونخرج ، بالنون ؛ أضغانكم: رفعًا ، وهي مروية عن عيسى ، إلا أنه فتح الجيم بإضمار أن ، فالواو عاطفة على مصدر متوهم ، أي يكف بخلكم وإخراج أضغانكم . وهذا الذي خيف أن يعتري المؤمنين ، هو الذي تقرب به محمد بن سلمة إلى كعب بن الأشرف ، وتوصل به إلى قتله حين قاله له: إن هذا الرجل قد أكثر علينا وطلب منا الأموال .
محمد: ( 38 ) ها أنتم هؤلاء . . . . .
( هَا أَنتُمْ هَاؤُلاء(: كررها التنبيه توكيدًا ، وتقدم الكلام على هذا التركيب في سورة آل عمران . وقال الزمخشري: هؤلاء موصول بمعنى الذين صلته تدعون ، أي أنتم الذين تدعون ، أو أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون ؛ ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا: وما وصفنا فقيل: تدعون لتنفقوا في سبيل الله . انتهى . وكون هؤلاء موصولًا إذا تقدمها ما الاستفهامية باتفاق ، أو من الاستفهامية باختلاف . ) فِى سَبِيلِ اللَّهِ ( ، قيل: للغزو ، وقيل: الزكاة ، واللفظ أعم . ) وَمَن يَبْخَلْ (: أي بالصدقة وما أوجب الله عليه ؛ ) فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ (: أي لا يتعدى ضرره لغيره . وبخل يتعدى بعلى وبعن . يقال: بخلت عليه وعنه ، وصليت عليه