"صفحة رقم 97"
بإضمار رب ، وهذا فيه غرابة ، لأن رب لم تأت في القرآن جارة ، مع كثرة ورود ذلك في كلام العرب ، فكيف يؤتى بها مضمرة ؟ وإنما يظهر أن ) وَأُخْرَى ( مرفوع بالابتداء ، فقد وصفت بالجملة بعدها ، وقد أحاط هو الخبر . ويجوز أن تكون في موضع نصب بمضمر يفسره معنى ) قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا (: أي وقضى الله أخرى . وقد ذكر الزمخشري هذين الوجهين ومعنى ) قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ( بالقدرة والقهر لأهلها ، أي قد سبق في علمه ذلك ، وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها .
الفتح: ( 22 ) ولو قاتلكم الذين . . . . .
( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كفَرُواْ(: هذا ينبني على الخلاف في قوله تعالى: ) وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنْكُمْ ( ، أهم مشركو مكة ، أو ناصروا أهل خيبر ، أو اليهود ؟ ) لَوَلَّوُاْ الاْدْبَارَ (: أي لغلبوا وانهزموا .
الفتح: ( 23 ) سنة الله التي . . . . .
( سُنَّةَ اللَّهِ(: في موضع المصدر المؤكد لمضمون الجملة قبله ، أي سن الله عليه أنبياءه سنة ، وهو قوله: ) لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ).
الفتح: ( 24 ) وهو الذي كف . . . . .
( وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ (: أي قضى بينكم المكافة والمحاجزة ، بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة . وروي في سببها أن قريشًا جمعت جماعة من فتيانها ، وجعلوهم مع عكرمة بن أبي جهل ، وخرجوا يطلبون غرة في عسكر رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) . فلما أحس بهم المسلمون ، بعث عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد ، وسماه حينئذ سيف الله ، في جملة من الناس ، ففروا أمامهم حتى أدخلوهم بيوت مكة ، وأسروا منهم جملة ، وسيقوا إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فمنّ عليهم وأطلقهم . وقال قتادة: كان ذلك بالحديبية عند معسكر ، وهو ببطن مكة . وعن أنس: هبط ثمانون رجلًا من أهل مكة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) من جبل التنعيم مسلحين يريدون غرته ، فأخذناهم فاستحياهم . وفي حديث عبد الله بن معقل أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) دعا عليهم ، فأخذ الله أبصارهم ، فقال لهم: ( هل جئتم في عهد ؟ وهل جعل لكم أحد أمانًا ) ؟ قالوا: اللهم لا ، فخلي سبيلهم . وقال الزمخشري كان يعني هذا الكف يوم الفتح ، وبه استشهد أبو حنيفة ، على أن مكة فتحت عنوة لا صلحًا . وقيل: كان ذلك في غزوة الحديبية ، لما روي أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة ، فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) من هزمه وأدخله حيطان مكة . وعن ابن عباس: أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت . انتهى . وقرأ الجمهور: بما تعملون ، على الخطاب ؛ وأبو عمرو: بالياء ، وهو تهديد للكفار .
الفتح: ( 25 ) هم الذين كفروا . . . . .
( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ (: يعني أهل مكة . قال ابن خالوية: يقال الهدي والهدى والهداء ، ثلاث لغات . انتهى . وقرأ الجمهور: الهدي ، بسكون الدال ، وهي لغة قريش ؛ وابن هرمز ، والحسن ، وعصمة عن عاصم ، واللؤلؤي ، وخارجة عن أبي عمرو: والهدي ، بكسر الدال وتشديد الياء ، وهما لغتان ، وهو معطوف على الضمير في صدّوكم ؛ ومعكوفًا: حال ، أي محبوسًا . عكفت الرجل عن حاجته: حبسته عنها . وأنكر أبو عليّ تعدية عكف ، وحكاه ابن سيدة والأزهري وغيرهما . وهذا الحبس يجوز أن يكون من المشركين بصدهم ، أو من جهة المسلمين لتردّدهم ونظرهم في أمرهم . وقرأ الجعفي ، عن أبي عمرو: والهدي ، بالجر معطوفًا على المسجد الحرام: أي وعن نحر الهدي . وقرأ: بالرفع على إضمار وصد الهدي ، وكان خرج عليه ومعه مائة بدنة ، قاله مقاتل . وقيل: بسبعين ، وكان الناس سبعمائة رجل ، فكانت البدنة عن عشرة ، قاله المسور بن مخرمة وأبيّ بن الحكم .
( أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ( ، قال الشافعي: الحرم ، وبه استدل أبو حنيفة أن محل هدي المحصر الحرم ، لا حيث أحصر . وقال الفراء: حيث يحل نحره ، و ) أَن يَبْلُغَ (: يحتمل أن يتعلق بالصد ، أي وصدوا الهدى ، وذلك على أن يكون بدل اشتمال ، أي وصدوا بلوغ الهدي محله ، أو على أنه مفعول من أجله ، أي كراهة أن يبلغ محله . ويحتمل أن يتعلق بمعكوفًا ، أي محبوسًا لأجل أن يبلغ محله ، فيكون مفعولًا من أجله ، ويكون الحبس من المسلمين . أو محبوسًا عن أن يبلغ محله ، فيكون الحبس من المشركين ، وكان بمكة قوم من المسلمين مختلطين بالمشركين ، غير متميزين عنهم ، ولا معروفي الأماكن ؛ فقال تعالى: ولولا كراهة أن يهلكوا أناسًا مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين لهم ، فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة ، ما كف أيديكم عنهم ؛ وحذف جواب لولا لدلالة الكلام عليه . قال الزمخشري: ويجوز أن يكون: ) لَوْ تَزَيَّلُواْ ( ، كالتكرير للولا رجال مؤمنون ، لمرجعهما إلى معنى واحد ، ويكون: ) لَعَذَّبْنَا ( ، هو الجواب . انتهى . وقوله: لمرجعهما إلى معنى واحد ليس بصحيح ، لأن ما تعلق به لولا الأولى غير ما تعلق به الثانية . فالمعنى في الأولى: ولولا وطء قوم مؤمنين ، والمعنى في