فهرس الكتاب

الصفحة 3804 من 4224

"صفحة رقم 114"

وعرض المسلم مثل دمه في التحريم ) . وفي الحديث المستفيض: ( فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم ) . ولا يباح من هذا المعنى إلا ما تدعو الضرورة إليه ، من تجريح الشهود والرواة ، والخطاب إذا استنصح من يخطب إليه من يعرفهم ، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم ، ومنه:

وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم

)أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ( ، قال الزمخشري: تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه ، وفيه مبالغات شتى ، منها: الاستفهام الذي معناه التقرير ، ومنها: جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبة ، ومنها: إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحدًا من الأحدين لا يحب ذلك ، ومنها: أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخًا ، ومنها: أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعله ميتًا . انتهى . وقال الرماني: كراهية هذا اللحم يدعو إليه الطبع ، وكراهية الغيبة يدعو إليها العقل ، وهو أحق أن يجاب ، لأنه بصير عالم ، والطبع أعمى جاهل . انتهى . وقال أبو زيد السهيلي: ضرب المثل لأخذه العرض يأكل اللحم ، لأن اللحم ستر على العظم ، والشاتم لأخيه كأنه يقشر ويكشف ما عليه من ستر .

وقال تعالى: )مَيْتًا ( ، لأن الميت لا يحس ، وكذلك الغائب لا يسمع ما يقول فيه المغتاب ، ثم هو في التحريم كآكل لحم الميت . انتهى . وروي في الحديث:( ما صام من أكل لحوم الناس ) . وقال أبو قلابة الرياشي: سمعت أبا عاصم يقول: ما اغتبت أحدًا منذ عرفت ما في الغيبة . وقيل: لعمر بن عبيد: لقد وقع فيك فلان حتى رحمناك ، قال: إياه فارحموا . وقال رجل للحسن: بلغني أنك تغتابني ، قال: لم يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي . وانتصب ميتًا على الحال من لحم ، وأجاز الزمخشري أن ينتصب عن الأخ ، وهو ضعيف ، لأن المجرور بالإضافة لا يجيء الحال منه إلا إذا كان له موضع من الإعراب ، نحو: أعجبني ركوب الفرس مسرجًا ، وقيام زيد مسرعًا . فالفرس في موضع نصب ، وزيد في موضع رفع . وقد أجاز بعض أصحابنا أنه إذا كان الأول جزأ أو كالجزء ، جاز انتصاب الحال من الثاني ، وقد رددنا عليه ذلك فيما كتبناه في علم النحو . ) فَكَرِهْتُمُوهُ ( ، قال الفراء: أي فقد كرهتموه ، فلا تفعلون . وقيل: لما وقفهم على التوبيخ بقوله: ) أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ( ، فأجاب عن هذا: لأنهم في حكم من يقولها ، فخوطبوا على أنهم قالوا لا ، فقيل لهم: فكرهتموه ، وبعد هذا يقدر فلذلك فاكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك . وعلى هذا التقدير يعطف قوله: ) وَاتَّقُواْ اللَّهَ( ، قاله أبو علي الفارسي ، وفيه عجرفة العجم .

وقال الزمخشري: ولما قررهم عز وجل بأن أحدًا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه ، عقب ذلك بقوله: )فَكَرِهْتُمُوهُ ( ، أي فتحققت بوجوب الإقرار عليكم بأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره لإباء البشرية عليكم أن تجحدوا كراهتكم له وتقذركم منه ، فليتحقق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين . انتهى ، وفيه أيضًا عجرفة العجم . والذي قدره الفراء أسهل وأقل تكلفًا ، وأجرى على قواعد العربية . وقى ل: لفظه خبر ، ومعناه الأمر ، تقديره: فاكرهوه ، ولذلك عطف عليه ) وَاتَّقُواْ اللَّهَ( ، ووضع الماضي موضع الأمر في لسان العرب كثير ، ومنه اتقى الله امرؤ فعل خيرًا يثب عليه ، أي ليتق الله ، ولذلك انجزم يثب على جواب الأمر .

وما أحسن ما جاء الترتيب في هذه الآية . جاء الأمر أولًا باجتناب الطريق التي لا تؤدي إلى العلم ، وهو الظن ؛ ثم نهى ثانيًا عن طلب تحقق ذلك الظن ، فيصير علمًا بقوله: )وَلاَ تَجَسَّسُواْ ( ؛ ثم نهى ثالثًا عن ذكر ذلك إذا علم ، فهذه أمور ثلاثة مترتبة ، ظنّ فعلم بالتجسس فاغتياب . وضمير النصف في كرهتموه ، الظاهر أنه عائد على الأكل . وقيل: على الميت . وقرأ أبو سعيد الخدري ، وأبو حيوة: فكرّهتموه ، الظاهر أنه عائد على الأكل . وقيل: على الميت . وقرأ أبو سعيد الخدري ، وأبو حيوة: فكرّهتموه ، بضم الكاف وتشديد الراء ؛ ورواها الخدري عن النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) ، والجمهور: بفتح الكاف وتخفيف الراء ، وكره يتعدى إلى واحد ، فقياسه إذا ضعف أن يتعدى إلى اثنين ، كقراءة الخدري ومن معه ، أي جعلتم فكرهتموه . فأما قوله: ) وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ ( فعلى التضمين بمعنى بغض ، وهو يتعدى لواحد ، وبإلى إلى آخر ، وبغض منقول بالتضعيف من بغض الشيء إلى زيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت