فهرس الكتاب
"صفحة رقم 160"
نحو: أرأيت زيدًا ما صنع ؟ وقوله: ولو كانت أرأيت التي هي استفتاء ، يعني الذي تقول النحاة فيه إنها بمعنى أخبرني ، لم تتعد ؛ والتي هي بمعنى الاستفتاء تتعدى إلى اثنين ، أحدهما منصوب ، والآخر في الغالب جملة استفهامية . وقد تكرر لنا الكلام في ذلك ، وأوله في سورة الأنعام . ودل كلام ابن عطية على أنه لم يطالع ما قاله الناس في أرأيت إذا كانت استفتاء على اصطلاحه ، وهي التي بمعنى أخبرني . والظاهر أن ) الثَّالِثَةَ الاْخْرَى( صفتان لمناة ، وهما يفيدان التوكيد . قيل: ولما كانت مناة هي أعظم هذه الأوثان ، أكدت بهذين الوصفين ، كما تقول: رأيت فلانًا وفلانًا ، ثم تذكر ثالثًا أجل منهما فتقول: وفلانًا الآخر الذي من شأنه . ولفظة آخر وأخرى يوصف به الثالث من المعدودات ، وذلك نص في الآية ، ومنه قول ربيعة بن مكرم:
ولقد شفعتهما بآخر ثالث
انتهى .
وقول ربيعة مخالف للآية ، لأن ثالثًا جاء بعد آخر . وعلى قول هذا القائل أن مناة هي أعظم هذه الأوثان ، يكون التأكيد لأجل عظمها . ألا ترى إلى قوله: ثم تذكر ثالثًا أجل منهما وقال الزمخشري: والأخرى ذم ، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار ، كقوله تعالى: )قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لاْولَاهُمْ (: أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم . ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى . انتهى . ولفظ آخر ومؤنثه أخرى لم يوضعا للذم ولا للمدح ، إنما يدلان على معنى غير ، إلا أن من شرطهما أن يكونا من جنس ما قبلهما . لو قلت: مررت برجل وآخر ، لم يدل إلا على معنى غير ، لا على ذم ولا على مدح . وقال أبو البقاء: والأخرى توكيد ، لأن الثالثة لا تكون إلا أخرى . انتهى . وقيل: الأخرى صفة للعزى ، لأنها ثانية اللات ؛ والثانية يقال لها الأخرى ، وأخرت لموافقة رؤوس الآي . وقال الحسن بن الفضل: فيه تقديم وتأخير تقديره: والعزى الأخرى ، ومناة الثالثة الذليلة ، وذلك لأن الأولى كانت وثنًا على صورة آدمي ، والعزى صورة نبات ، ومناة صورة صخرة . فالآدمي أشرف من النبات ، والنبات أشرف من الجماد . فالجماد متأخر ، ومناة جماد ، فهي في أخريات المراتب .
النجم: ( 22 ) تلك إذا قسمة . . . . .
والإشارة بتلك إلى قسمتهم ، وتقديرهم: أن لهم الذكران ، ولله تعالى البنات . وكانو يقولون: إن هذه الأصنام والملائكة بنات الله تعالى .
قال ابن عباس وقتادة: ضيزى: جائرة ؛ وسفيان: منقوصة ؛ وابن زيد: مخالفة ؛ ومجاهد ومقاتل: عوجاء ؛ والحسن: غير معتدلة ؛ وابن سيرين: غير مستوية ، وكلها أقوال متقاربة في المعنى . وقرأ الجمهور: ) ضِيزَى ( من غير همز ، والظاهر أنه صفة على وزن فعلى بضم الفاء ، كسرت لتصح الياء . ويجوز أن تكون مصدرًا على وزن فعلى ، كذكرى ، ووصف به . وقرأ ابن كثير: ضئزى بالهمز ، فوجه على أنه مصدر كذكرى . وقرأ زيد بن علي: ضيزى بفتح الضاد وسكون الياء ، ويوجه على أنه مصدر ، كدعوى وصف به ، أو وصف ، كسكرى وناقة خرمى . ويقال: ضوزى بالواو وبالهمز ، وتقدّم في المفردات حكاية لغة الهمز عن الكسائي . وأنشد الأخفش: فإن تنأ عنها تقتضيك وإن تغب
فسهمك مضؤوز وأنفك راغم
النجم: ( 23 ) إن هي إلا . . . . .
( إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ(: تقدّم تفسير نظيرها في سورة هود ، وفي سورة الأعراف . وقرأ الجمهور: ) إِن يَتَّبِعُونَ ( بياء الغيبة ؛ وعبد الله وابن عباس وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى بن عمر: بتاء الخطاب ، ( إِلاَّ الظَّنَّ (: وهو ميل النفس إلى أحد معتقدين من غير حجة ، ( وَمَا تَهْوَى(: أي تميل إليه بلذة ، وإنما تهوى أبدًا ما هو غير الأفضل ، لأنها مجبولة على حب الملاذ ، وإنما يسوقها إلى حسن العاقبة العقل . ) وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الْهُدَى (: