"صفحة رقم 225"
مصاحف المدينة والشام ، وكلتا القراءتين متواترة . فمن أثبت هو ، فقال أبو علي الفارسي: يحسن أن يكون فصلًا ، قال: ولا يحسن أن يكون ابتداء ، لأن حذف الابتداء غير سائغ . انتهى . يعني أنه في القراءة الأخرى حذف ، ولو كان مبتدأ لم يجز حذفه ، لأنك إذا قلت: إن زيدًا هو الفاضل ، فأعربت هو مبتدأ ، لم يجز حذفه ، لأن ما بعده من قولك الفاضل صالح أن يكون خبرًا لأن ، فلا يبقى دليل على حذف هو الرابط . ونظيره: ) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ ( ، لا يجوز حذف هم ، لأن ما بعده يصلح أن يكون صلة ، فلا يبقى دليل على المحذوف . وما ذهب إليه أبو علي ليس بشيء ، لأنه بنى ذلك على توافق القراءتين وتركيب إحداهما على الأخرى ، وليس كذلك . ألا ترى أنه يكون قراءتان في لفظ واحد ، ولكل منهما توجيه يخالف الآخر ، كقراءة من قرأ: ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ( بضم التاء ، والقراءة الأخرى: ) بِمَا وَضَعَتْ ( بتاء التأنيث فضم التاء يقتضي أن الجملة من كلام أم مريم ، وتاء التأنيث تقتضي أنها من كلام الله تعالى ، وهذا كثير في القراءات المتواترة . فكذلك هذا يجوز أن يكون هو مبتدأ في قراءة من أثبته ، وإن كان لم يرد في القراءة الأخرى ، ولكل من التركيبين في الإعراب حكم يخصه .
الحديد: ( 25 ) لقد أرسلنا رسلنا . . . . .
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ(: الظاهر أن الرسل هنا هم من بني آدم ، والبينات: الحجج والمعجزات . ) وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ (: الكتاب اسم جنس ، ومعهم حال مقدرة ، أي وأنزلنا الكتاب صائرًا معهم ، أي مقدرًا صحبته لهم ، لأن الرسل منزلين هم والكتاب . ولما أشكل لفظ معهم على الزمخشري ، فسر الرسل بغير ما فسرناه ، فقال: ) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا ( ، يعنى: الملائكة ، إلى الأنبياء بالحجج والمعجزات ، ( وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ (: أي الوحي ،( وَالْمِيزَانَ ) . وروي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان ، فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به . ) وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ ( ، قيل: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة . وروي: ومعه المسن والمسحاة . وعن النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) أن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض ، أنزل الحديد والنار والماء والملح . انتهى . وأكثر المتأولين على أن المراد بالميزان: العدل ، فقال ابن زيد وغيره: أراد بالموازين: المعرفة بين الناس ، وهذا جزء من العدل . ) لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (: الظاهر أنه علة لإنزال الميزان فقط ، ويجوز أن يكون علة لإنزال الكتاب والميزان معًا ، لأن القسط هو العدل في جميع الأشياء من سائر التكاليف ، فإنه لا جور في شيء منها ، ولذلك جاء: ) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ ).
)وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ (: عبر عن إيجاده بالإنزال ، كما قال: ) وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الاْنْعَامِ ). وأيضًا فإن الأوامر وجميع القضايا والأحكام لما كانت تلقى من السماء ، جعل الكل نزولًا منها ، قاله ابن عطية . وقال الجمهور: أراد بالحديد جنسه من المعادن . وقال ابن عباس: نزل آدم من الجنة ومعه السندان والكلبتان والميقعة . ) فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ (: أي السلاح الذي يباشر به القتال ، ( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ(: في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم ؛ فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها . ) وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ( علة لإنزال الكتاب والميزان والحديد . ) مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ ( بالحجج والبراهين المنتزعة من الكتاب المنزل ، وبإقامة العدل ، وبما يعمل من آلة الحرب للجهاد في سبيل الله . قال ابن عطية: أي ليعلمه موجودًا ، فالتغير ليس في علم الله ، بل في هذا الحدث الذي خرج من العدم إلى الوجود . وقوله: ) بِالْغَيْبِ( معناه: بما سمع من الأوصاف الغائبة عنه ، فآمن بها لقيام الأدلة عليها .
ولما قال تعالى: )مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ( ، ذكر تعالى أنه غني عن نصرته بقدرته وعزته ، وأنه إنما كلفهم الجهاد لمنفعة أنفسهم ، وتحصيل ما يترتب لهم من الثواب . وقال ابن عطية: ويترتب معنى الآية بأن الله تعالى أخبر بأنه أرسل رسله ، وأنزل كتبًا وعدلًا مشروعًا ، وسلاحًا يحارب به من عاند ولم يهتد بهدي الله ، فلم يبق عذر . وفي الآية ، على هذا التأويل ، حث على القتال .
قوله عز وجل: )وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىءاثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءاتَيْنَاهُ الإنجِيلَ وَجَعَلْنَا