"صفحة رقم 254"
الممتحنة: ( 10 ) يا أيها الذين . . . . .
كان صلح الحديبية قد تضمن أن من أتى أهل مكة من المسلمين لم يرد إليهم ، ومن أتى المسلمين من أهل مكة رد إليهم ، فجاءت أم كلثوم ، وهي بنت عقبة بن أبي معيط ، وهي أول امرأة هاجرت بعد هجرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) في هدنة الحديبية ، فخرج في أثرها أخواها عمارة والوليد ، فقالا: يا محمد أوف لنا بشرطنا ، فقالت: يا رسول الله حال النساء إلى الضعف ، كما قد علمت ، فتردني إلى الكفار يفتنوني عن ديني ولا صبر لي ، فنقض الله العهد في النساء ، وأنزل فيهن الآية ، وحكم بحكم رضوه كلهم . وقيل: سبب نزولها سبيعة بنت الحارث الأسلمية ، جاءت الحديبية مسلمة ، فأقبل زوجها مسافر المخدومي . وقيل: صيفي بن الراهب ، فقال: يا محمد اردد علي امرأتي ، فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا ، وهذه طينة الكتاب لم تجف ، فنزلت بيانًا أن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء . وذكر أبو نعيم الأصبهاني أن سبب نزولها أميمة بنت بشر بن عمرو بن عوف ، امرأة حسان بن الدحداحة ، وسماهن تعالى مؤمنات قبل أن يمتحن ، وذلك لنطقهن بكلمة الشهادة ، ولم يظهر منهن ما ينافي ذلك ، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان .
وقرىء: مهاجرات بالرفع على البدل من المؤمنات ، وامتحانهن ، قالت عائشة: بآية المبايعة . وقيل: بأن بشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله . وقال ابن عباس: بالحلف إنها ما خرجت إلا حبًا لله ورسوله ورغبة في دين الإسلام . وقال ابن عباس أيضًا ومجاهد وقتادة وعكرمة: كانت تستحلف أنها ما هاجرت لبغض في زوجها ، ولا لجريرة جرتها ، ولا لسبب من أغراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة . ) اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ (: لأنه تعالى هو المطلع على أسرار القلوب ومخبآت العقائد ، ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ(: أطلق العلم على الظن الغالب بالحلف وظهور الإمارات بالخروج من الوطن ، والحلول في قوم ليسوا من قومها ، وبين انتفاء رجعهن إلى الكفار أزواجهن ، وذلك هو التحريم بين المسلمة والكافر .
وقرأ طلحة: لا هن يحلان لهم ، وانعقد التحريم بهذه الجملة ، وجاء قوله: )وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ( على سبيل التأكيد وتشديد الحرمة ، لأنه إذا لم تحل المؤمنة للكافر ، علم أنه لا حل بينهما البتة . وقيل: أفاد قوله: ) وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ( استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل ، كما هو في الحال ما داموا على الإشراك وهن على الإيمان . ) ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ (: أمر أن يعطي الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت ، فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية . قال ابن عباس: أعطى رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ، بعد إمتحانها زوجها الكافر ، ما أنفق عليها ، فتزوجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وكان إذا امتحنهن ، أعطى أزواجهن مهورهن . وقال قتادة: الحكم في رد الصداق إنما كان في نساء أهل العهد ، فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين ، فلا يرد عليه الصداق ، والأمر كما قال قتادة ، ثم نفى الحرج في نكاح المؤمنين اياهن إذا آتوهن مهورهن ، ثم أمر تعالى المؤمنين بفراق نسائهن الكوافر عوابد الأوثان .
وقرأ الجمهور: ) تُمْسِكُواْ ( مضارع أمسك ، كأكرم ؛ وأبو عمرو ومجاهد: بخلاف عنه ؛ وابن جبير والحسن والأعرج: مضارع مسك مشدّدًا ؛ والحسن أيضًا وابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد الحميد وأبو عمرو في رواية معاذ: تمسكوا بفتح الثلاثة ، مضارع تمسك محذوف الثاني بتمسكوا ؛ والحسن أيضًا: تمسكوا بكسر السين ، مضارع مسك ثلاثيًا . وقال الكرخي: ) الْكَوَافِرِ ( ، يشمل الرجال والنساء ، فقال له أبو علي الفارسي: النحويون لا يرون هذا إلا في النساء ، جمع كافرة ، وقال: أليس يقال: طائفة كافرة وفرقة كافرة ؟ قال أبو علي: فبهت فقلت: هذا تأييد . انتهى . وهذا الكرخي معتزلي فقيه ، وأبو علي معتزلي ، فأعجبه هذا التخريج ، وليس بشيء لأنه لا يقال كافرة في وصف الرجال إلا تابعًا لموصوفها ، أو يكون محذوفًا مرادًا ، أما بغير ذلك فلا يجمع فاعلة على فواعل إلا ويكون للمؤنث . والعصم جمع عصمة ، وهي سبب البقاء في الزوجية . ) ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ (: أي واسألوا الكافرين ما أنفقتم على أزواجكم إذا فروا إليهم ، ( وَلْيَسْئَلُواْ (: أي الكفار ما أنفقوا على أزواجهم إذ فروا إلى المؤمنين .
الممتحنة: ( 11 ) وإن فاتكم شيء . . . . .
ولما تقرر هذا الحكم ، قالت قريش ، فيما روي: لا نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقًا ، فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى: ) وَإِن فَاتَكُمْ ( ، فأمر تعالى المؤمنين أن يدفعوا من فرت زوجته من المسلمين ، ففاتت بنفسها إلى الكفار وانقلبت من الإسلام ، ما كان مهرها . قال