"صفحة رقم 311"
غيظًا على قومه ، إذ لم يؤمنوا لما دعاهم إلى الإيمان ، وأحوجوه إلى استعجال مفارقته إياهم . وقال ذو الرمة: وأنت من حب ميّ مضمر حزنا
عانى الفؤاد قريح القلب مكظوم
وتقدمت مادة كظم في قوله: ) وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ).
القلم: ( 49 ) لولا أن تداركه . . . . .
وقرأ الجمهور: ) تَدَارَكَهُ ( ماضيًا ، ولم تلحقه علامة التأنيث لتحسين الفصل . وقرأ عبد الله وابن عباس: تداركته بتاء التأنيث ؛ وابن هرمز والحسن والأعمش: بشد الدال . قال أبو حاتم: ولا يجوز ذلك ، والأصل في ذلك تتداركه ، لأنه مستقبل انتصب بأن الخفيفة قبله . وقال بعض المتأخرين: هذا لا يجوز على حكاية الحال الماضية المقتضية ، أي لولا أن كان يقال تتداركه ، ومعناه: لولا هذه الحال الموجودة كانت له من نعم الله ) لَنُبِذَ بِالْعَرَاء ( ، ونحوه قوله: ) فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ ( ؛ وجواب ) لَوْلاَ ( قوله: ) لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ ( ، أي لكنه نبذه وهو غير مذموم ، كما قال: ) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء ( ، والمعتمد فيه على الحال لا على النبذ مطلقًا ، بل بقيد الحال . وقيل: لنبذ بعراء القيامة مذمومًا ، ويدل عليه ) فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ).
القلم: ( 50 ) فاجتباه ربه فجعله . . . . .
ثم أخبر تعالى أنه ) اجْتَبَاهُ (: أي اصطفاه ، ( وَنَبِيّا مّنَ الصَّالِحِينَ (: أي الأنبياء . وعن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعة في قومه .
القلم: ( 51 ) وإن يكاد الذين . . . . .
ولما أمره تعالى بالصبر لما أراده تعالى ونهاه عن ما نهاه ، أخبره بشدة عداوتهم ليتلقى ذلك بالصبر فقال: ) وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ(: أي ليزلقون قومك بنظرهم الحاد الدال على العداوة المفرطة ، أو ليهلكونك من قولهم: نظر إليّ نظرًا يكاد يصرعني ويكاد يأكلني ، أي لو أمكنه بنظره الصرع والأكل لفعله . وقال الشاعر: يتعارضون إذا التقوا في موطن
نظرًا يزل مواطن الأقدام
وقال الكلبي: ليزلقونك: ليصرفونك . وقرأ الجمهور: )لَيُزْلِقُونَكَ ( بضم الياء من أزلق ؛ ونافع: بفتحها من زلقت الرجل ، عدى بالفتحة من زلق الرجل بالكسر ، نحو شترت عينه بالكسر ، وشترها الله بالفتح . وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش وعيسى: ليزهقونك . وقيل: معنى ) لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ (: ليأخذونك بالعين ، وذكر أن اللفع بالعين كان في بني أسد . قال ابن الكلبي: كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل ، ثم يرفع جانب خبائه فيقول: لم أر كاليوم إبلًا ولا غنمًا أحسن من هذه ، فما تذهب إلا قليلًا ثم تسقط طائفة أو عدة منها . قال الكفار لهذا الرجل أن يصيب رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فأجابهم ، وأنشد: قد كان قومك يحسبونك سيدا
وأخال أنك سيد معيون
أي: مصاب بالعين ، فعصم الله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وأنزل عليه هذه الآية . قال قتادة: نزلت لدفع العين حين أرادوا أن يعينوه عليه الصلاة والسلام . وقال الحسن: دواء من أصابته العين أن يقرأ هذه الآية . وقال القشيري: الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان ، لا مع الكراهة والبغض ، وقال: ) وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ). وقال القرطبي: ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة له حتى يهلك . انتهى . وقد يكون في المعين ، وإن كان مبغضًا عند العائن صفة يستحسنها العائن ، فيعينه من تلك الصفة ، لا سيما من تكون فيه صفات كمال . ) لَمَّا سَمِعُواْ الذِكْرَ (: من يقول لما ظرف يكون العامل فيه ) لَيُزْلِقُونَكَ ( ، وإن